الثلاثاء، 25 يناير، 2011

فريد الأطرش في قـِصار الأغاني

اتسمت الأغنيات القصيرات الزمن ، للفنان الكبير " فريد الأطرش " بالكثافة الشجنية العالية و الزخم العاطفي الكبير ، و بالمتعة الطربية التي تؤطرها ، هذا من حيث المسمع الخارجي لها ، أما إذا دخلت إلى عوالمها الموسيقية الفسيحة ، فسوف يتراءى و يتسامع لك ، أنها من العمق في اللحن و الغزارة الموسيقية بمكان ، و ما تقديمه لها في الحفلات الغنائية المباشرة ، إلا برهانٌ مسموعٌ ساطعٌ على ذلك ، فهو من التجديد ، إلى درجة أنه لا يُقدِّم لمستمعه قِصار الأغاني المُسجَّـلة سلفاً ، داخل حجرات التسجيل المسموع ( الأستوديوهات ) كما هي تماماً على المسرح ، بل إنه يلجأ على الدوام ، إلى تحويلها إلى طِوال الأغاني ، من دون أنْ يُحسّس المتلقي ، بأنه كان قد أدّاها سابقاً على نحو زمني قصير ، ذلك أنه ، من النوع الذي يختزل الجملة الموسيقية و المذهب و المطلع ، مع علمه بأنها على مستوى عال ٍ وبديع ، و تستلزم روعتها الإعادة غيرة مرة في العمل الواحد ، حتى لتكاد و أنت تنصت إلى أغنياته ، تحتجّ على ذلك و تهمس إليه : " ليتك يا فريد أعدت المقدمة مثلاً "من أية أغنية له ، لكنه سُرعان ما يُنسيّـك احتجاجك و عتبك ، و عن طيب خاطر ، و يتنقل بك في عوالمه ، الضيقة الشكل الخارجي ، فتسلم له أيديك الثلاث ، أقصد بالطبع ، أذنيك و خيالك ، ليرحل بك إلى عوالم من الفنِّ ، أنت تجهلها ، و ما كنت لتعرفها إلا في حضرته و بصحبته ، فتتنازل عن عتبك عليه ، من دون أنْ يستسمحك عذراً ، اللهم إلا ، بأدائه المُقنِّع .
و منبت اختزاله لهذه الحليات الفنية ، أرجعه إلى الكم الوافر و الزاخر من الموسيقا الذي يحتويه و تضيق به مشاعره المُرهَفة ، فلا يودُّ أنْ يستثمر و يستهلك - كما غيره من مجايليه - الجملة و الفكرة الواحدة في غير موضع من الأغنية ، بل يُسرِّبها لتفسح للجمل الموسيقية المحتشدة الأخريات مجالاً ، لتسفر عن نفسها بنفسها ، فيرتاح بذلك من ثقلها ، و هذه هي تعلتي للاستفهام الذي طرحه موسيقار الأجيال " محمد عبد الوهاب " حول أغنيته ( أنا و اللي بحبه ) حينما تمنى على الموسيقار " فريد الأطرش " - أعتقد بعد رحيل الثاني - أنه لو قدّم ( الكوبليه ) الثاني أو النقلة السريعة المدهشة و النوعية ، من هذه الأغنية التي يقول فيها : ( أنت روحي و أنت فرحي .. أنت نوحي و أنت جرحي ) باللحن عينه الذي اختاره لمطلعها ( التانجو ) الراقص ، غير اللحن الشرقي الذي خصّصه لها ، لا سيما و أنه ، لم ينتهِ بعد من مطلعها ، عند إنشاده لهذا البيت ، لكأنه لم يكـُن يعلم بأنّ هذه الفكرة ، قد وردت على الموسيقار " فريد الأطرش " نفسه ، لكنه طرحها من مخيلته و عدل عنها بمحض إرادة الجُمل الموسيقية الدافعة لما قبلها ، التي تـُظهر نفسها رغماً عن أنامله ، ليأتي فيما بعد المُلحِّن الراحل " بليغ حمدي " ليُشيدَ بهذه الأغنية البديعة من البداية حتى النهاية - لحناً و أداءً و توزيعاً - فهو فيما اعتمده من ألحان ، كما الكاتب ، الذي نراه أحياناً ، غزيراً في إنتاجه ، على الرغم من أنّ جودة المادة التي يُقدِّمها لقارئه ، تتذبذب و تتباين أحياناً ، كل ذلك ، ليفتح أمام الأفكار الأهم و الأحدث ، فـُرجةً و فرصة لتخرج بانسيابية من عقالها الذي يكرّسها إلى الوراء ، لكني مع ذلك ، أرى أنه ، تتوجب في الأفكار التي يزيحها من أمام أفكاره الأكثر أهمية ، أنْ تكون في سويّة متوسطة على أقل تقدير ، لكنْ في الجانب الغنائي و مع " فريد الأطرش " بالتحديد ، نجد أنّ كل ما ألـّـفه من ألحان قصيرة مُزاحة من سبيل أغنياته الأهم ، كما ( الربيع ) و ( أول همسة ) و ( حكاية غرامي ) و ( سألني الليل ) كان من الأهمية إلى حدّ أنّ أعماله القصيرات ، صارت تنافس أعماله الطويلات ، التي يراها البعض منّا ، هي الأفضل ، فأغنياته القصيرة ، مثل ( دقوا المزاهر ) و ( ما قالي و قلتله ) و ( تقول لا ) و ( زينة ) و ( يا حليوة ) و ( وحداني ) و ( يا مقبل يوم و ليلة ) و ( اشتقتلك ) و ما إليها من أغنيات أخر ، لست في وارد ذكرها الآن ، و يضيق المجال في هذا المقال ، لتعدادها لكم ، ترسَّخت في ذائقة المتلقي ، جيلاً بعد جيل ، على الرغم من أني كنت و ما زلت أراها ، هي من فرضت نفسها على هذا المُطرِّب الراحل ، لكأني بها قد اختارته ، ليكون الطريق التي تصل على أديمها إلى الناس ، لعلِّكم تتساءلون : كيف ذلك ؟ و إجابة ًمني على تساؤلكم ، أعود بكم إلى زمن إنتاج هذه الأعمال القصيرة ، حيث إنها تزامنت في ظهورها مع أغانيه الطويلة ، فأغنيته ( أنا و اللي بحبه ) ، و هذه كلماتها لمن يرغبها :
أغنية : أنا و اللي بحبه
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمات الشاعر الكبير : مأمون الشناوي
لحن و أداء الموسيقار الخالد : فريد الأطرش
من فيلم : أخر كذبة – سنة : 1953 ميلادياً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنا و اللي بحبه و عاهدته افـ بحبي
حبيبين فـ الدنيا عايشين في الجنة سوى
دا غرامي في قلبه و غرامه افـ قلبي
و لا حدش يقدر يفرق بينا
أنت روحي و أنت جرحي
أنت نوحي و أنت فرحي
نعيم الدنيا في حبك
و حبك عندي بالدنيا
و كل دقيقة في قربك
تفوت أجمل م الثانية
دا الهنا أنت و المنى أنت
حتى أنا أنت
ما هوش ذنبي و لا ذنبك
تزيد في قربنا الأشواق
ما بين قلبي و بين قلبك
غرام ما خطرش للعشاق
دا الهنا أنت و المنى أنت
حتى أنا أنت
التي لا يلتفت إليها الكثيرون ، و لم يغنِها في حفلاته ، و كنت قد حدثتكم عنها بعاليه ، و عمّا قاله عنها موسيقار الأجيال " محمد عبد الوهاب " حيث أردف إلى ما نوه إليه بشأنها ، بهذه العبارة الخالدة " : " لو أخذ فريد من عمري خمسة أعوام نظير هذه الأغنية ، لم أتردد لحظة واحدة " قد جاءت في فيلم ( أخر كذبة ) سنة 1953 ميلادياً ، و بُعيدها بزمن ليس بطويل ، أنتج أغنيته ( طال غيابك ) التي لاقت صدى مدوياً بين محبيه ، سنة ظهورها ( 1956 ميلادياً ) كما أنه ضمّن في ( فيلم : ما ليش غيرك ) سنة 1958 ميلادياً ، أغنية ( يا حليوة ) :
أغنية : يا حليوة
ــــــــــــــــــــــــ
كلمات الشاعر : فتحي قورة
لحن و أداء موسيقار الأزمان : فريد الأطرش
من فيلم : ما ليش غيرك – سنة : 195 8 ميلادياً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا حليوة يا حليوة يا حليوة
في القلب هواك غنيوة
حبك نساني يا حليوة
كل الحلوين يا حليوة
لما عيونك شبكتني
و عطفت عليا و جيتني
ما عرفش يا حبيب قلبي
ازاي الدنيا سعتني ؟
و سهرت أفكر فيك
من يوم ما شغلتني بيك
و احلف بغلاوتك يا حليوة
ما لقيت في حلاوتك يا حليوة
في القلب هواك غنيوة
و حياة قلبي الولهان
و عليا ما لك حلفان
لو قالوا دواك نور عيني
اديلك روحي كمان
راح احوشها عنك ليه ؟
من غيرك ح تساوي ايه ؟
و أنا ليا مين يا حليوة
يا سيد الحلوين يا حليوة
في القلب هواك غنيوة
و هي من كلمات الشاعر " فتحي قورة " الذي عُرف بأغانيه القصيرة في أبياتها ، مثل ( قلبي و مفتاحه ) هذه الأغنية ، التي جاءت ضمن كوكبة جميلة من أعماله الطويلة المعروفة في تلك الفترة لتفسح المجال أمام أغنيات له مهمة جداً مثل أغنية ( يا قلبي يا مجروح ) إذ تـُعدُّ مثالاً جيداً أسوقه لكم في هذه العجالة على ما جئت على ذكره سلفاً ، بخصوص أنّ هذا الفنان الكبير ، كان يختزل الأغنيات الطويلة ، فيجعل منها أغاني قصيرة ، و العكس صحيح ، إذ أنّ لهذا الفنان القدرة على تمطيط الأغاني القصيرة و تصيّيرها إلى أغان ٍ طوال ، في حفلاته على ركح المسرح ، كما فعل في أغنية ( اشتقتلك ) و ( يا ويلي ) و ( نورة ) فأغنية ( يا حليوة ) التي نحن بصدد الحديث عنها و الاستماع إليها تواً ، مدّد في زمنها أثناء إحدى حفلاته ، و جعله ضعف زمنها الأصلي المحسوب عند تسجيلها لتعرض في الفيلم المذكور ، نتيجة ً لإعادة المذهب أكثر من مرة.

فريد الأطرش .. من الإطراب إلى التطريب

بريشةِ النعام التي ما فارقت لحظة أنامله الرقيقة وعزف بها على أوتار عوده، رسم لنا لوحاتٍ مسموعة تجذرت بصماتها على جدارية طبول آذاننا، فرقصت من فرط حلاوتها بناتُ أحلامنا وصعدت على سلالمها الموسيقية إلى قمة الطرب الأصيل حتى هامت في دنيا الخيال، فسمت في العلياء، كما هو سام في الغناء سمو الأمراء.
وما هوت ولا تود أنْ تبرحها ولا تطرحها من ذاكرة أفراحنا، وبها لامس جِراح أفئدتنا، بعد أنْ نقــّعها في حبر أعيننا الشفـّاف كما كان يغمس العاشق في سالف العصر والأوان ريشته في محبرةٍ استجلبها من بلاد الصين لا يضيع مِدادها، على رقعة من أفضل الجلود التي دبغها وجفــّفها بملح الخلود، ليُسطـّر عليها رسائله، فتغدو-فيما بعد- أسفاراً للعشـّاق بلحن وطعم الحياة فتداوي أحزاننا.
هكذا هي بسمعي قبل نظري، أعماله الغنائية واللحنية والموسيقية، فلا تلوموني إنْ عدت وأبديت عناية ًكبيرةً بفقيد الغناء العربي فريد الأطرش في هذه المقالة وغيرها من مقالات أخريات ستليها، ولكم الحقُّ إنْ مللتموني، فذاك شعورٌ إنساني طبيعي لا أؤاخذكم عليه البتة.
فالإرث الذي تركه لنا هذا الفنان العملاق وصرنا كلنا ورثته الشرعيين هو حقلٌ خصبٌ للتناول لما فيه من تنوع وغزارةٍ وعذوبةٍ، فهو كما الأزهار التي يتعذر قِطاف روائحها في قنينةٍ واحدةٍ، لذا يصعب الإلمام بأعماله كلها في مقالةٍ واحدةٍ، قد تـُضيَّع عبقها، فأعماله الغنائية واللحنية والموسيقية كما البساتين المُزدانـَة بمختلف ورود الدنيا وبتعدُّد ألوانها وعطورها العبقة.
هكذا أراها وأشتمها بأذنيّ، فقد شربت من تربةٍ خصبةٍ ونمت وتكاثرت بتكاثر محبيه من معاصريه والجيل الجديد، الذي يشرأب الى الطرب ويتلمس وينشد الجمال في غير أوانه الصحيح.
فريد المُطرِّب:
أرى قـُبالة عينيّ الآن بستاناً من بساتينه الخضراء، مكتوبا عليه بـ"أطواق الياسمين" (الأغنية الاجتماعية) فيه على كل شجرة من شجيراته المزهرة عدة أغان، اخترت لكم منها هذه الأغنية الفاتنة بكلماتها ولحنها وأدائها.
ولعلّ ما يعجبني في هذه الرائعة وربما لا تتصورونه هو حُسن اختياره للكورال النسائي من دون الرجال، ليشعرك وهنّ يردّدن بطربٍ وفرح وراءه مطلع الأغنية في كل مرة، بأنهن كالحوريات اللواتي يغوينك وينادينك، لأجل أنْ تدخل إلى هذا البستان الجميل، فإذا كانت الدنيا بهذا الطعم، فما بالكم يا أخواني بالجنة التي عرضها السموات والأرض؟ التي في مفردات هذه الأغنية، دعوة للظفر بها من خلال ما تخللها من دعوة للاستبشار والتفاؤل وما إليهما من معان ٍسامياتٍ، فهذه الأغنية دالة على ذلك.
كما يدّهشني في هذه الأغنية أنه على الرغم من أنّ هذا الفنان مُشبَعٌ بالهموم، إلا أنه أدّى لنا هذه الأغنية وهو في أعلى مراتب الفرح، كي يطبّـب بها أحزاننا ويجبّر انكساراتنا:
الحياة حلوة بس نفهمها
الحياة غنوة ما أحلى أنغامها
ارقصوا وغنوا وانسوا همومها

الحياة وردة للي يرعاها
الحياة مرة وحدة نحياها
فوزوا بمتاعها وانسوا أوجاعها
ليه نضيعها.. دي الحياة حلوة
الحياة تضحك للي يتبسم
واللي مكشر ده اللي يتألم
دي الحياة جنة عشها واتهنى
وأوعى تستنى.. دي الحياة حلوة

الطيور غنّت غنّي وياها
ع الغصون حلّت للأليف جاها
هنّي أحبابك ود أصحابك
وارضى بما نابك.. دي الحياة حلوة.
كأنني في هذه اللحظات بصوتِه يتناهى إلى سمعي، وهو يترنّم في دنيا السحر والجمال على آلة البيانو بلوني مفاتيحها الأبيض والأسود، لوني المحبة في عُرفه (إما أو) هكذا يخاطب بكلماته محبوبته في معان ٍلطيفة وعفوية، بتلقائية هذا اللحن الباسق في هذا البستان المُدّونة على ثغور وريقاته حروف نوتاته الموسيقية العالمية بلهجته العامية التي فاح أريجها مع نـُسيمات البحر ووصل إلى حيث منتهاه، بهذه الترنيمة الأخـّاذة من فيلم "رسالة من امرأة مجهولة":
قلبي ومفتاحه دول ملك أيديك
ومساه وصباحه بيسألني عليك
كان حبك شمعة في يوم عيدي
وطفاه الدمع وتنهيدي
من يوم ما أيديك لمست أيدي
وكأنك قلت يا نار أيدي
وما دام مشغول يا حبيبي
مش كنت اتقول يا حبيبي؟
دا القلب جراحه من رمش عينيك
ومساه وصباحه بيسألني عليك

يا حبيبي ياريت ابقى حبيبك
وأكون من بختك ونصيبك
دنا مهما بتقسى برضو راضي بك
واتسيبني الروح قبل ما اسيبك
قلبي عمل أيه يا حبيبي
ليه تقسى عليه يا حبيبي؟
وحشته أفراحه من شوقه إليك
ومساه وصباحه بيسألني عليك.
فريد الموسيقار
فريد الموسيقي، وما أدراكم من هو؟ ها هي موسيقاه تردّ بينا إلى عالم ألف ليلة وليلة، وتبعثه من جديد إزاءنا، وبالتحديد إلى صفحةِ حكاية سندباد البحري وعلي بابا وعلاء الدين وهيّ تتهادى من خميلة جميلة غنّاء بالغِناء في فناء من قصور بغداد ودمشق وبلاد الأندلس في مقطوعته الموسيقية "سوق العبيد" حينما كان العرب والمسلمون سادةَ المعمورة وأيام كان للوالي العبيدُ والجواري، جاعلاً نغماتها الصادرة من آلاته الموسيقية تترجم هذه المعاني:
أهاتِ وأنّاتِ الكادحين
أصواتِ صياطِ المُعذبين
نغماتٍ من زمن ٍسحيق ٍ
يجودُ بالعبق والرحيق
صيحاتٍ لجلودٍ لفحتها الشـّمس
تخدّشت على جدار زمن الأمس
رسائل ممّن يتوقون إلى الحرية
هدهداتٍ لطيور ٍتحوم في البريّة
وتغرد بأنغام الانعتاق في الفجرية
هتافاتٍ من زمن أضعناه وما أضاعنا
ساكنٌ ذاكرة أمجادنا.

فهذا الفنّان لم يعبّر عنّا وكفى، بل استطاع أنْ يعزف بمهارة على آلة الزمن التي عادت بنا إلى تلكم الأزمنة الغابرة، فعبّر من خلالها عن اختلاجات وكلمات وحركات وأفراح وأحزان حتى أولئك المساكين المضطهدين زمن اضطهاد العبيد.

الفنـّان الفتـّان .. فريد الأطرش ليس أنموذجاً

كم من مغن ٍّ ينتسب إلى الموجة ، التي ظهرت في ثمانينيات القرن السابق ، أُحتسـِبوا على الفن لخلو الساحة الفنية أمامهم ، بعد يـُـتم الأغنية العربية ، عقِب رحيل أبائها المتمثلين في جيل العباقرة ، الـذين رعوا الأغنية بكل حنان و إخلاص ، و نتيجة لمرحلة المخاض التي عقبت رحيل هؤلاء ، و بسبب التداعيات السياسية التي مرت بها المنطقة العربية أيضاً - إذ دخلت بعض الأقطار في مفاوضات سلام ( استسلام ) مضمرة و معلنة مع الكيان الصهيوني ، فتـُوِّجت بمعاهدة ( كامب ديفيد ) التي ألقت بظلامها على سماء الأغنية العربية ، كما في جوانب أخريات من الحياة - تباينت المبادئ و المشتركات بين أبناء الأمة العربية الواحدة ، نظراً للهوان الذي أصاب قادتها السياسيين ، و للدور الـذي لعبته وسائل الإعلام المشبوهة في تلميع أولئك المحسوبين على الغناء ، عند المتلقي ، لكل هذه الأسباب مجتمعة ، و لغيرها من أسباب أخريات ، أراها تأتي ثانوية ، و لا ينبغي ذكرها في هذه العجالة ، اكتسحت هذه الموجة الهابطة بريادة أبطالها غير الشجعان ، الأغنية العربية الملتزمة بقضايا الأمة ، فظهر لنا جيلٌ من أشباه المغنين - بعد أنْ حاول كل المخلصين و المحافظين على هوية الأغنية العربية بموسيقاها و مقاماتها و لوازمها ، صدّ ما يقدمه هذا الجيل ، البعيد كل البعد عن قضايا أمته المصيرية ، من غناء مسخ - الذي استطاع بعد ظهور القنوات الفضائية مع بداية التسعينيات من القرن المنفرط ، أن يجد له موطأ قدم في الأسواق و وسائل الإعلام المرئية و المقروءة و المسموعة .
و بعد مُضي وقت طويل ، وجد له متسعاً ، حتى صار لهـذا الجيل شأن في الأقطار العربية كلها ، بعد انحدار الـذوق العام ، الذي أشرفت عليه الوسائل الإعلامية التابعة للأنظمة العربية ، إلى أنْ أضحى البعض من المستمعين ، يستقبل هذا الغناء المشوه بكل ترحيب ، مع علمه بأنه لا يرقى إلى مصاف ما قد استمع إليه من الجيل السابق ، و تربت عليه ذائقته الفنية السليمة ، بل إنه تساهل إلى حدِّ التهاون مع هذا الجيل الجديد من المغنين ، و إلى درجة أنه تخاذل في مجابهته بأبسط الطرق ، و لو بإعابته عليهم أصواتهم السيئة ، التي يفترض بأن تكون هي رخصة مرور غنائهم إلى أسماع المتلقي ، فجلّ المتواجدين من المغنين الآن ، لا يحتكمون على الأصوات الحسنة ، و مع كل هذه التنازلات ، التي قدّمها المستمعون لهذا الجيل الناهض من أطلال التخاذل و الاستسلام ، التي تزامنت مع نهاية السبعينيات كما أسلفت الذكر ، إلا أنّ الغرور الذي تملك هذا الجيل عماه عن حقيقة السقوط ، التي لا محالة من أن يقع فيها يوماً ما ، و قد حانت .
إنّ الحملة الإعلامية ، التي حشّد لها النظام في مصر ضد الجزائر ، إثر انتهاء المباراة التي جمعت بين منتخبي البلدين في السودان ، و أسفرت عن ترشح منتخب الثانية على الأولى إلى كأس العالم 2010 ، هذه الحملة التي تزعمها و ما يزال ، من يسمون بالمثقفين هناك ، من مغنين و ممثلين و إعلاميين و صحفيين ، إنما هي حملة مُضلـِّلة و مفتعلة ، بيّنت للمواطن العربي حقيقة صعود هؤلاء ، و خاصة منهم المغنون إلى سُدة المشهد الفني في مصر ، فطالما أنّ جـُلهم لا يحتسبون - إذا ما أخضعناهم إلى المعايير الفنية الحقيقية المعمول بها - إلى الفن بمسماه الحقيقي ، فإني لأتساءل عن السر وراء تلميعهم و تمكينهم من وسائل الإعلام الرسمية ، التي كان حرياً بها أنْ تصدّ موجتهم ، لا أنْ تقوم بفسح المجال لهم ، بإقصاء الفنانين الأكفاء و إبعادهم عن المشهد الغنائي ، الذين هم الأولى بتصدره ، فلم أعثر في مخيلتي عن تفسير واحد لذلك ، سوى أنّ النظام هناك ، ادّخر هذه الزمرة من أشباه المغنين ليوم كهذا ، و أيُّ يوم هو ؟ ذلك الذي صار فيه الفنـّان فتـّاناً ، من دعاة الفرقة و زرع بذور الشقاق ، بإشاعة و ترويج الأكاذيب ضد مواطن من قطر آخر ، يفترض بأنْ يكون من مستمعيه أصلاً ، الذين أسّهموا في انتشار اسمه و شهرته و ارتفاع أسهمه المالية في السوق الغنائي ؛ فقد وجد النظام المصري في هؤلاء المحسوبين جُزافاً و عنوةً على الفنّ ، خيراً بل شراً من رجالات الأمن و المخابرات و المسؤولين في حكومته ، ليوكل إليهم بحفر أخاديد الفتنة بين الشعبين ، بتصريحاتهم النارية .
لقد شاهدت في إحدى القنوات الفضائية المصرية ، التي رعت و تزعمت هذه الحملة الخسيسة ، صورة ً للمغني ‘ إيهاب توفيق ‘ يقف ضاحكاً ملء شدقيه ، و إلى جانبه كان يقف مواطنا سوداني على أرض مطار مدينة ‘ أم درمان ‘ قبل بدء المباراة ، رافعاً لافتة خـُطّ على بياضها هذه العبارة ‘ أنا و أخي ضد إبن عمّي ‘ في إشارة منه إلى أواصر الأخوة التي تجمع بين أفراد الشعب العربي الواحد في مصر و السودان ، و اعتبار الجزائريين أبناء عمومة و كفى ، في شكل استفزازي ، يشي بتحالف الأولين ضد الأخيرين ، ففي ذلك عنصرية صارخة ، و لأني لست ممّن يلقون بالشبهات ، فربما لم تروا الصورة التي حدّثتكم عنها ، لكنكم بكل تأكيد قد سمعتم المغني ‘ محمد فؤاد ‘ و هو يتهكم على أبناء الشعب الجزائري و ينعتهم بالبرابرة معتقداً بغبائه ، بأنّ البربر هم أنفسهم البرابرة ، ثم يهدد - هو و سابقه ضمن مجموعة من أنصاف و أرباع المغنين - الجمهور هناك بحرمانه من أعمالهم ، التي إنْ أوفوا جميعهم بوعدهم ، سيكونون قد فعلوا ما هو أسلم للأغنية العربية ، فبمقاطعتهم هذه ، سيتخلص الجمهور في الجزائر من هذا الغناء الهابط ، الذي شوّه الأغنية العربية التي ستتخلص من شوائبه حتماً ذات يوم ، لتعود إلى صحتها و سابق أمجادها ، التي أوقن بأنه بمجرد أن يحدث ذلك ، ستتلاشى أعمالهم سريعاً ، و لن تصبح أبداً من الموروث العربي الغنائي ، حيث سيمحى من سجل الغناء العربي ، الفترة التي تصدر فيها هؤلاء الساحة الغنائية العربية ، و يُضرب صفحاً عن كل صفحة تلوثت فيه بما غناه هؤلاء ، و تبقى كل تلك السنين ، التي سُنحت لهم ، فترة ملغية و غير محسوبة فيه ، بعد تمزيقها .
 
فريد الأطرش

إيهاب توفيق
 
محمد فؤاد
أولم يكن الأجدى بهم ، أنْ ينأوا بأنفسهم عن كل هذه المهاترات التي لا معنى لها ، إذا كانوا بحقٍّ ملكاً للمستمع العربي و ملكاً لذواتهم ، فهذا الشيء غير الوحيد الذي لم يـُقدِم عليه موسيقار الأزمان ‘ فريد الأطرش ‘ الذي بعد أنْ ضـُيق على فنه في مصر ، ارتحل إلى لبنان ماسكاً لسانه عن أيِّ تصريح لأيِّ وسيلة إعلامية ، لأنه لا يودُّ أنْ يُسيء إلى بلد لاقى فيها كل الحفاوة و الترحيب من أهلها ، حيث إنّ الشعب المصري قد سانده وصفق لأنغامه ، فلم يسمعوا منه ، منذ خروجه و حتى عودته إلا أغنيته ذائعة الصيت ( سنة و سنتين ) التي ما تزال الأجيال ترددها إلى سنتنا هذه ، فلم يبخص دماً لشهيد و لم يطعن في شرف حرائر العرب ، و ما دمنا في سيرة هذا الفنان الكبير ، ما رأيكم الآن ، في أنْ ننصت إليه و هو يتغنى برائعته ( وردة من دمنا ) التي استحضر فيها الشاعر العربي اللبناني الكبير ‘ بشارة الخوري ‘ شخصية لامرأة عربية ، ليخاطبها قائلاً :
نشيد : وردة من دمنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
شعر : الأخطل الصغير ( بشارة الخوري )
لحن و أداء : فريد الأطرش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سائلي العلياءَ عنَّا و الزمانا .. هل خفرنا ذمَّةً مُذْ عرفانا ؟
الْمـروءاتُ التي عـاشت بنـا .. لم تزل تجري سعيرًا في دِمانا
***
ضحِك الْمجدُ لنا لَما رآنا .. بدم الأبطال مصبوغًا لِوانا
عرسُ الأحرار أن تسقى العِدى .. أكؤسًـا حُمـرًا و أنغـامًا حزانى
ضجَّت الصحراء تشكو عُرْيَها .. فكسَوْنـاهــا زئــيرًا و دُخــانـا
مذ سقيناها العُلا من دمِنا .. أيقنت أن مَعَـدًّا قد نَمانا
انشروا الْهولَ و صُبّوا نـاركمْ .. كيفما شئتم فلن تلقَوا جبانا
***
شرفٌ للموت أن نُطعِمَه .. أنفسًا جبارة تأبى الهوانا
وردةٌ من دمِنــا .. لو أتى النارَ بها حالت جِنانا
يا جهادًا صفّق الْمجدُ له .. لبس الغارُ عليه الأرجوانا
شرفٌ باهتْ فلسطينٌ به .. و بنـاءٌ للمعـالي لا يُدانى
إنَّ جرحًا سال منْ جبهتها .. لثَمتــْهُ بِخُشوعٍ شفتــانـا
***
نحن يا أختُ على العهدِ الذي .. قد رضعنـاه من الْمهـدِ كِلانا
يثربُ و القدسُ منذُ احتلمـا .. كعبتانا و هوى العُرْب هوانا
قُمْ إلى الأبطال نلمسْ جرحهمْ .. لَمســة ًتسبحُ بالطِّيب يــدانــا
قـُم نجُـع يومًـا من العمـر لَهمْ .. هبْهُ صوم الفصح هبهُ رمضانا
إنَّمـا الْحقُّ الذي مــاتوا له .. حقُّنا نَمشي إليه أين كانا.

فريد الأطرش وإسهاماته في فنّ القصيدة الغنائية

هناك ثـُلة من المغنين، تظن بأنّ أية أغنية طـُرِزت كلماتها على نسيج قماشة اللغة العربية الفصحى، تصيرُ قصيدة ًغنائية، هكذا بكل سهولة، ومن دون أنْ يتعايش المُغني مع مفرداتها، ويتفهّم معانيها ومراميها.
ومن ضمن من تحوّل إلى محاولة أداء هذا النمط الغنائي الراقي، بعضٌ من مغنيي اليوم، نتيجة لاتساع الساحة أمامه - بعد جفاء المطربين لهذا الأداء، لعلمهم بصعوبته، وبالمهارة التي يتطلبها بعد زوال جماليات الصوت لديهم، لا سيما وأنّ أغلبهم صار في أرذل العمر– ولحدسه بأنّ ما قدّمه هو وغيره من ألوان غنائية، سوف لن يجعل له وزناً في تاريخ الغناء العربي المعاصر، ما لم يدلُ بدلوه في هذا الشأن، فانصب اهتمامه على دواوين الشعراء، الذين تغنى بروائعهم المطربون الأوائل.
وأخذ بذلك من فنّ القصيدة الغنائية اسمها من غير صفتها، من دون أن يدرك، أنها ستصبح قصيدة فقط، طالما أنه لم يعد لها اللحن اللازم، متكئاً على شهرة الشاعر، وعندما قام بتنغيم هذه القصائد، قدّم للمستمع أعمال عبارة عن أغان خفيفة وراقصة، هي أقرب في موسيقاها إلى الطقطوقة ذات الجملة الموسيقية الواحدة، المتكررة بعد كل كوبليه، فلا تتصف البتّة بمفهوم القصيدة الغنائية المُتعارف عليها في العقود الماضية.
وقد كان الجيل الرائد، ممّن أسهموا في تطوير الأغنية العربية عبر عقود طوال، وبعد أنْ أثبت جدارته في غير لون من ألوان الغناء العربي، قد أسهم أيما إسهام في وضع ركائز القصيدة المغناة بعد اندثار الإنشاد بالعربية الفصحى، وتلحين اللهجات المتعددة بتعدد الجهات والأمصار، التي آل إليها الكيان العربي، بعد سقوط دار الخلافة الإسلامية، منذ ما يقارب الثمانية قرون، اللهم إلا، إعادة تقديم بعض الموشحات التراثية ضمن الفرق العربية المعروفة في كل قطر عربي.
وصار لهذا اللون (القصيدة المغناة) متخصصون ينشدونه في شكل جماعي، يتعفف المطربون الكبار من تقديمه، أو دعوني أقول يتهربون من ذلك، ذلك أنه بحسب رؤاهم، سوف لن يضفي لمكانتهم شيئاً، إذ أنهم بذلك، سيكونون كما أية موهبة غنائية، تتربى على أصول الغناء العربي الصحيح، وهي تشقُّ طريقها إلى عالم الغناء.
ومع ذلك، تيقنوا بأنهم مطالبون بتقديم شيءٍ من هذا اللون الغنائي الذي فقدته الأذن العربية في العصر الحديث، وما ساعدهم على القيام بذلك، أنّ أغلبهم قد تمكّن من ناصية اللغة عن طريق المدارس القرآنية (الكتاتيب) واستقى منها بحور الشعر وحفظ كماً كبيراً من قصائد الشعر المعروفة في العصرين الجاهلي والإسلامي.
كان ذلك فيما يخصُّ اللغة، وإجادة أحكامها لجهة الإعراب والنطق وفنون التجويد من إدغام وغـُنـّة وقلقلة وما إليها من أحكام أخريات؛ صحيح أنّ بعضاً ممّن اتجهوا إلى تقديم القصيدة المغناة، هم على درجة عالية من الفصاحة اللغوية ولديهم إلمام كبير بأصول اللغة العربية، لكن المشكلة وما يعوزهم لا يكمنان هنا، حيث إنّ تلحين القصائد يستلزم برأيي، أنْ يكون الملحن ذا إحساس كبير بالمعنى وعلى معرفة كبيرة بمقامات الموسيقا العربية، حتى يستطيع أنْ يوصل فكرة العمل إلى المتلقي بأذنيه وعينيه وعقله على حدًٍّ سواء.
ولا يركز على جارحة واحدة من جوارحه، بل يتعين عليه أنْ يعمل بتزامن على إشباع هذه الحواس جميعها من الوجبة الطربية التي يقدّمها له، وهذا لا يتأتى له، إلا بالجمل الموسيقية المتسقة مع المعنى اللغوي لكل بيت من أبيات القصيدة، فكم من قصيدة لم يقرأها المستمع وتعرف إليها من خلال اللحن المغنى فأحبها وراقت له، لأنّ اللحن هومن يقدّم القصيدة على نحوصحيح، وبأبعادها كلها، خصوصاً تلك القصائد ذات الزمن الغنائي القصير، الذي في الغالب يقارب العشر دقائق، ففي مثل هذه القصائد يجنح الملحن إلى تنضيدها بحشد كبير من الجمل الموسيقية المتنوعة، التي يساعده في إظهارها للأسماع معرفته بالمقامات الموسيقية المتباينة، وما يلحُّه عليه المعنى العام للمفردات، سواء كان طابعه الحزن أو الفرح.
وما دُمت بصدد الاهتمام بما جاد به الفنان الكبير فريد الأطرش من فنون غنائية، وما أثرى به مكتبتنا وموروثنا العربي الغنائي من روائع وبدائع، ارتأيت في هذا المقال، أنْ أبرز وألفت عناية القارئ والمستمع معاً، إلى دوره الكبير في تطوير القصيدة العربية المغناة، إذ أنه قدّم ما في وسعه وفنه، لهذا النمط الغنائي الرصين.
وقد لحّن في بدايته عام 1937 قصيدة تحت عنوان "ختم الصبر" كانت دليلاً على تفتق عقلية جديدة في تلحين هذا الضرب الغنائي، فكانت في حين ظهورها، طفرة في هذا المجال الغنائي الصعب، ما جعل المستمع، الذي يتمتع بذائقة موسيقية فائقة، يراهن عليه في تطوير فنّ القصيدة إلى جانب الموسيقار رياض السنباطي وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ولكن بنكهة أخرى.
وكان لحن هذه القصيدة مغايراً، لما قدّمه الأخيران من ألحان تنضوي تحت لواء القصيدة الغنائية الحديثة آنذاك، فشكّل الزاوية الثالثة والضلع الثالث من ثالوث أو مثلث التطوير بجدارة، حتى أنّ السنباطي أشاد بتلك القصيدة ونعتها بما ذكرته لكم، من دون أدنى إكراه، وهو من هو في هذا المجال.
وبعد هذه القصيدة اتبعها بدُرر ٍمن القصائد المشهورة له، التي انتقل بها إلى مراحل متطورة جداً من الحسن في اللحن والغناء والأداء، أمثال "عش أنت" و"أضنيتني بالهجر" للشاعر بشارة الخوري وقصيدة "لا وعينيك ِ" التي نظمها له الشاعر والزجّال الكبير كامل الشناوي ورائعة "يا زهرة في خيالي" هذه القصيدة التي وصلت إلى العالمية، حيث غنّاها أكثر من مغنّ عالمي باللغة العربية مجارياً الفنان الراحل، في صوته وطريقة أدائه، حرفياً وشكلياً، فمن الجميل في الفكرة ومن جميله علينا، أنه جعل أولئك الفنانين الذين ينتمون إلى أمم أخرى، يتغنون بلغتنا السامية في مفرداتها ومعانيها.
ومن مظاهر التطوير في قصائده هاته، أنه عرف بموهبة الفنان الحقيقي كيف يصور للمتلقي، الأحدوثة التي تنهض عليها مفردات القصيدة، من خلال الألحان وما صاغه فيها من جمل موسيقية عظيمة تعاملت بإتقان، مع كل حرف على أنه كلمة ولم تتجاهله، لعلمه المسبق، بأنّ الحرف في اللغة العربية، هو من أقسام الكلمة، ففي قصيدته "لا وعينيكِ" جعل لحرف "لا" متسعاً من الوقت وهو ينطقه مترنماً في مطلع القصيدة، ثم يرددها وهو على مشارف الانتهاء من القصيدة بشكل مُصوَّر، إذ أنه ردّدها أكثر من مرة، وكان في كل ترديدة، يرافقه صوت (صول) لآلات الكمان المحتشدة فوق أكتف العازفين وراءه، حتى لكأنه يشير إليك بسبابته ذات اليمين وذات اليسار، في إشارة موحية منه بالنفي، كما يفعل الواحد منا عندما لا يكون راغباً في الكلام، إذا أراد نفي أيِّ أمر كان، بعد أنْ فرش ومهّد بآلته الموسيقية (العود) تقسيماً أعده من أروع ما استمعت إليه من عزف على هذه الآلة الجميلة، التي كان لها في هذه القصيدة سحراً شرقياً باهراً، يأخذ بتلابيب العقل والأذن والعين إلى حدّ الجنون، خصوصاً عندما يلتحم صوت أوتارها مع الإيقاع وآلتي القانون والكونترباص تحديداً عندما يترنم بالبيت الذي يقول فيه على لسان الشاعر :
وخيالي الذي سما بك يوماً.. يا له اليوم من خيال كسيح
أرجع بكم تواً، إلى مطلع القصيدة لاستكشاف مظاهر التطوير ومكامن الجمال في هذه الرائعة، فهو يبدأ مطلعه بلهجة عربية مُفخّمة، خاصة حينما ينشد بهذه الكلمات من مبتدئها :
لا وعينيك ِ يا حبيبة روحي.. لم أعد فيك هائماً فاستريحي
سكنت ثورتي فصار سواء.. أن تليني أو تجنحي للجموح ِ
فهو عند نطقه لفظة "ثورتي" التي سبقها فعل السكون، تتصاعد الموسيقا المصاحبة في ارتفاع مذهل مع صوته الذي يأسر كلمة "الجموح" لبرهة من الزمن، بيّن بها مقدرته الصوتية، كل ذلك، لأنه يعلم ما لهذه اللفظة (ثورتي) من ثقل ٍ ورهبة في قرارة من لم يصبه وقرٌُ في مسامعه، وكذلك من معنى يحمل في طياته، عظمة الشيء، الذي يريد أنْ يعبّر عنه، لذلك تجاهل فعل السكون، الذي هو في الأصل فعلٌ غير مُفعـَّـل، فالسكون فالحقيقة يعني انعدام الفعل، ربما لأنه ابتغى أنْ يوضح كيف أنّ ثورته الأولى قد خمدت بفعل ما لقاه من حبيبته من فتور، لذا غلّب الثورة على السكون.
وهو بذلك، يود أنْ يشعر مستمعه بمصابه، وذلك ما ينجح في التعبير عنه مرة أخرى، عند ذكره لكلمة "الريح" في صيغة المضاف والمضاف إليه (مهب الريح) في البيت التالي له بالتحديد، فهو بعد شدوه لهذه الكلمة، قفّاها بـ(صول) موسيقي بآلات الكمان، ترجم هذه اللفظة في شكل صوت الريح -لا الرياح- التي عادة ما تحدثها الزوابع العاتية، فثمة فرق كبير بين هاتين اللفظتين لمن يدرك ذلك، فحتى في القرآن الكريم، ما جاءت كلمة "ريح" إلا وقد لحقت بها كلمة "سوء" فهي مؤذِنة لغوياً بالسوء وخراب العمران، بعكس لفظة "الرياح" التي عادة ما يجيء وراءها الرخاء والخير، وهذا ما يعكس للقارئ والمستمع صحة ما أوردته في بدء هذه المقالة، من حيث معرفة الجيل الذي ينتسب إليه هذا الموسيقار الكبير، بأحكام النطق ومعرفة مفردات اللغة العربية، نتيجة ًلدراستهم الأولى في المدارس القرآنية، ولمطالعتهم المستمرة للشعر العربي في العصر الحديث.
أما في تتمة هذه القصيدة، نجده يصوّر لنا جميعاً، مشهد خطابه لمحبوبته في وقار وحِدّة الذي يفرض عليه أنْ ينشده بصوته المفخّم، وهو يذكرها بمدى إخلاصه ومهدداً إياها بأسلوب المحبّ المخلص.
كل هذه المعاني تستمعون إليها في هذه القصيدة الرائعة، في وقت لا يتعدى الست دقائق والثانية الواحدة من الدقيقة السابعة، فأنا أنصحكم بالإنصات إليها:
قصيدة : لا وعينيكِ
لا وعينيك ِ يا حبيبة روحي.. لم أعُد فيك هائِماً فاستريحي
سكنت ثورتي فصار سواء.. أنْ تليني أو تجنحي للجموح
واهتدت حيرتي فسيّان عندي.. أنْ تبوحي بالحبِّ أو لا تبوحي
وخيالي الذي سما بك يوماً.. يا له اليوم من خيال ٍ كسيح
والفؤاد الذي سكنتِ الحنايا.. منه أودعته مهب الريح
لا وعينيكِ ما سلوتك عمري.. فاستريحي وحاذري أنْ تُريحي.

فريد الأطرش وإسهاماته في فنّ القصيدة الغنائية

هناك ثـُلة من المغنين، تظن بأنّ أية أغنية طـُرِزت كلماتها على نسيج قماشة اللغة العربية الفصحى، تصيرُ قصيدة ًغنائية، هكذا بكل سهولة، ومن دون أنْ يتعايش المُغني مع مفرداتها، ويتفهّم معانيها ومراميها.
ومن ضمن من تحوّل إلى محاولة أداء هذا النمط الغنائي الراقي، بعضٌ من مغنيي اليوم، نتيجة لاتساع الساحة أمامه - بعد جفاء المطربين لهذا الأداء، لعلمهم بصعوبته، وبالمهارة التي يتطلبها بعد زوال جماليات الصوت لديهم، لا سيما وأنّ أغلبهم صار في أرذل العمر– ولحدسه بأنّ ما قدّمه هو وغيره من ألوان غنائية، سوف لن يجعل له وزناً في تاريخ الغناء العربي المعاصر، ما لم يدلُ بدلوه في هذا الشأن، فانصب اهتمامه على دواوين الشعراء، الذين تغنى بروائعهم المطربون الأوائل.
وأخذ بذلك من فنّ القصيدة الغنائية اسمها من غير صفتها، من دون أن يدرك، أنها ستصبح قصيدة فقط، طالما أنه لم يعد لها اللحن اللازم، متكئاً على شهرة الشاعر، وعندما قام بتنغيم هذه القصائد، قدّم للمستمع أعمال عبارة عن أغان خفيفة وراقصة، هي أقرب في موسيقاها إلى الطقطوقة ذات الجملة الموسيقية الواحدة، المتكررة بعد كل كوبليه، فلا تتصف البتّة بمفهوم القصيدة الغنائية المُتعارف عليها في العقود الماضية.
وقد كان الجيل الرائد، ممّن أسهموا في تطوير الأغنية العربية عبر عقود طوال، وبعد أنْ أثبت جدارته في غير لون من ألوان الغناء العربي، قد أسهم أيما إسهام في وضع ركائز القصيدة المغناة بعد اندثار الإنشاد بالعربية الفصحى، وتلحين اللهجات المتعددة بتعدد الجهات والأمصار، التي آل إليها الكيان العربي، بعد سقوط دار الخلافة الإسلامية، منذ ما يقارب الثمانية قرون، اللهم إلا، إعادة تقديم بعض الموشحات التراثية ضمن الفرق العربية المعروفة في كل قطر عربي.
وصار لهذا اللون (القصيدة المغناة) متخصصون ينشدونه في شكل جماعي، يتعفف المطربون الكبار من تقديمه، أو دعوني أقول يتهربون من ذلك، ذلك أنه بحسب رؤاهم، سوف لن يضفي لمكانتهم شيئاً، إذ أنهم بذلك، سيكونون كما أية موهبة غنائية، تتربى على أصول الغناء العربي الصحيح، وهي تشقُّ طريقها إلى عالم الغناء.
ومع ذلك، تيقنوا بأنهم مطالبون بتقديم شيءٍ من هذا اللون الغنائي الذي فقدته الأذن العربية في العصر الحديث، وما ساعدهم على القيام بذلك، أنّ أغلبهم قد تمكّن من ناصية اللغة عن طريق المدارس القرآنية (الكتاتيب) واستقى منها بحور الشعر وحفظ كماً كبيراً من قصائد الشعر المعروفة في العصرين الجاهلي والإسلامي.
كان ذلك فيما يخصُّ اللغة، وإجادة أحكامها لجهة الإعراب والنطق وفنون التجويد من إدغام وغـُنـّة وقلقلة وما إليها من أحكام أخريات؛ صحيح أنّ بعضاً ممّن اتجهوا إلى تقديم القصيدة المغناة، هم على درجة عالية من الفصاحة اللغوية ولديهم إلمام كبير بأصول اللغة العربية، لكن المشكلة وما يعوزهم لا يكمنان هنا، حيث إنّ تلحين القصائد يستلزم برأيي، أنْ يكون الملحن ذا إحساس كبير بالمعنى وعلى معرفة كبيرة بمقامات الموسيقا العربية، حتى يستطيع أنْ يوصل فكرة العمل إلى المتلقي بأذنيه وعينيه وعقله على حدًٍّ سواء.
ولا يركز على جارحة واحدة من جوارحه، بل يتعين عليه أنْ يعمل بتزامن على إشباع هذه الحواس جميعها من الوجبة الطربية التي يقدّمها له، وهذا لا يتأتى له، إلا بالجمل الموسيقية المتسقة مع المعنى اللغوي لكل بيت من أبيات القصيدة، فكم من قصيدة لم يقرأها المستمع وتعرف إليها من خلال اللحن المغنى فأحبها وراقت له، لأنّ اللحن هومن يقدّم القصيدة على نحوصحيح، وبأبعادها كلها، خصوصاً تلك القصائد ذات الزمن الغنائي القصير، الذي في الغالب يقارب العشر دقائق، ففي مثل هذه القصائد يجنح الملحن إلى تنضيدها بحشد كبير من الجمل الموسيقية المتنوعة، التي يساعده في إظهارها للأسماع معرفته بالمقامات الموسيقية المتباينة، وما يلحُّه عليه المعنى العام للمفردات، سواء كان طابعه الحزن أو الفرح.
وما دُمت بصدد الاهتمام بما جاد به الفنان الكبير فريد الأطرش من فنون غنائية، وما أثرى به مكتبتنا وموروثنا العربي الغنائي من روائع وبدائع، ارتأيت في هذا المقال، أنْ أبرز وألفت عناية القارئ والمستمع معاً، إلى دوره الكبير في تطوير القصيدة العربية المغناة، إذ أنه قدّم ما في وسعه وفنه، لهذا النمط الغنائي الرصين.
وقد لحّن في بدايته عام 1937 قصيدة تحت عنوان "ختم الصبر" كانت دليلاً على تفتق عقلية جديدة في تلحين هذا الضرب الغنائي، فكانت في حين ظهورها، طفرة في هذا المجال الغنائي الصعب، ما جعل المستمع، الذي يتمتع بذائقة موسيقية فائقة، يراهن عليه في تطوير فنّ القصيدة إلى جانب الموسيقار رياض السنباطي وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ولكن بنكهة أخرى.
وكان لحن هذه القصيدة مغايراً، لما قدّمه الأخيران من ألحان تنضوي تحت لواء القصيدة الغنائية الحديثة آنذاك، فشكّل الزاوية الثالثة والضلع الثالث من ثالوث أو مثلث التطوير بجدارة، حتى أنّ السنباطي أشاد بتلك القصيدة ونعتها بما ذكرته لكم، من دون أدنى إكراه، وهو من هو في هذا المجال.
وبعد هذه القصيدة اتبعها بدُرر ٍمن القصائد المشهورة له، التي انتقل بها إلى مراحل متطورة جداً من الحسن في اللحن والغناء والأداء، أمثال "عش أنت" و"أضنيتني بالهجر" للشاعر بشارة الخوري وقصيدة "لا وعينيك ِ" التي نظمها له الشاعر والزجّال الكبير كامل الشناوي ورائعة "يا زهرة في خيالي" هذه القصيدة التي وصلت إلى العالمية، حيث غنّاها أكثر من مغنّ عالمي باللغة العربية مجارياً الفنان الراحل، في صوته وطريقة أدائه، حرفياً وشكلياً، فمن الجميل في الفكرة ومن جميله علينا، أنه جعل أولئك الفنانين الذين ينتمون إلى أمم أخرى، يتغنون بلغتنا السامية في مفرداتها ومعانيها.
ومن مظاهر التطوير في قصائده هاته، أنه عرف بموهبة الفنان الحقيقي كيف يصور للمتلقي، الأحدوثة التي تنهض عليها مفردات القصيدة، من خلال الألحان وما صاغه فيها من جمل موسيقية عظيمة تعاملت بإتقان، مع كل حرف على أنه كلمة ولم تتجاهله، لعلمه المسبق، بأنّ الحرف في اللغة العربية، هو من أقسام الكلمة، ففي قصيدته "لا وعينيكِ" جعل لحرف "لا" متسعاً من الوقت وهو ينطقه مترنماً في مطلع القصيدة، ثم يرددها وهو على مشارف الانتهاء من القصيدة بشكل مُصوَّر، إذ أنه ردّدها أكثر من مرة، وكان في كل ترديدة، يرافقه صوت (صول) لآلات الكمان المحتشدة فوق أكتف العازفين وراءه، حتى لكأنه يشير إليك بسبابته ذات اليمين وذات اليسار، في إشارة موحية منه بالنفي، كما يفعل الواحد منا عندما لا يكون راغباً في الكلام، إذا أراد نفي أيِّ أمر كان، بعد أنْ فرش ومهّد بآلته الموسيقية (العود) تقسيماً أعده من أروع ما استمعت إليه من عزف على هذه الآلة الجميلة، التي كان لها في هذه القصيدة سحراً شرقياً باهراً، يأخذ بتلابيب العقل والأذن والعين إلى حدّ الجنون، خصوصاً عندما يلتحم صوت أوتارها مع الإيقاع وآلتي القانون والكونترباص تحديداً عندما يترنم بالبيت الذي يقول فيه على لسان الشاعر :
وخيالي الذي سما بك يوماً.. يا له اليوم من خيال كسيح
أرجع بكم تواً، إلى مطلع القصيدة لاستكشاف مظاهر التطوير ومكامن الجمال في هذه الرائعة، فهو يبدأ مطلعه بلهجة عربية مُفخّمة، خاصة حينما ينشد بهذه الكلمات من مبتدئها :
لا وعينيك ِ يا حبيبة روحي.. لم أعد فيك هائماً فاستريحي
سكنت ثورتي فصار سواء.. أن تليني أو تجنحي للجموح ِ
فهو عند نطقه لفظة "ثورتي" التي سبقها فعل السكون، تتصاعد الموسيقا المصاحبة في ارتفاع مذهل مع صوته الذي يأسر كلمة "الجموح" لبرهة من الزمن، بيّن بها مقدرته الصوتية، كل ذلك، لأنه يعلم ما لهذه اللفظة (ثورتي) من ثقل ٍ ورهبة في قرارة من لم يصبه وقرٌُ في مسامعه، وكذلك من معنى يحمل في طياته، عظمة الشيء، الذي يريد أنْ يعبّر عنه، لذلك تجاهل فعل السكون، الذي هو في الأصل فعلٌ غير مُفعـَّـل، فالسكون فالحقيقة يعني انعدام الفعل، ربما لأنه ابتغى أنْ يوضح كيف أنّ ثورته الأولى قد خمدت بفعل ما لقاه من حبيبته من فتور، لذا غلّب الثورة على السكون.
وهو بذلك، يود أنْ يشعر مستمعه بمصابه، وذلك ما ينجح في التعبير عنه مرة أخرى، عند ذكره لكلمة "الريح" في صيغة المضاف والمضاف إليه (مهب الريح) في البيت التالي له بالتحديد، فهو بعد شدوه لهذه الكلمة، قفّاها بـ(صول) موسيقي بآلات الكمان، ترجم هذه اللفظة في شكل صوت الريح -لا الرياح- التي عادة ما تحدثها الزوابع العاتية، فثمة فرق كبير بين هاتين اللفظتين لمن يدرك ذلك، فحتى في القرآن الكريم، ما جاءت كلمة "ريح" إلا وقد لحقت بها كلمة "سوء" فهي مؤذِنة لغوياً بالسوء وخراب العمران، بعكس لفظة "الرياح" التي عادة ما يجيء وراءها الرخاء والخير، وهذا ما يعكس للقارئ والمستمع صحة ما أوردته في بدء هذه المقالة، من حيث معرفة الجيل الذي ينتسب إليه هذا الموسيقار الكبير، بأحكام النطق ومعرفة مفردات اللغة العربية، نتيجة ًلدراستهم الأولى في المدارس القرآنية، ولمطالعتهم المستمرة للشعر العربي في العصر الحديث.
أما في تتمة هذه القصيدة، نجده يصوّر لنا جميعاً، مشهد خطابه لمحبوبته في وقار وحِدّة الذي يفرض عليه أنْ ينشده بصوته المفخّم، وهو يذكرها بمدى إخلاصه ومهدداً إياها بأسلوب المحبّ المخلص.
كل هذه المعاني تستمعون إليها في هذه القصيدة الرائعة، في وقت لا يتعدى الست دقائق والثانية الواحدة من الدقيقة السابعة، فأنا أنصحكم بالإنصات إليها:
قصيدة : لا وعينيكِ
لا وعينيك ِ يا حبيبة روحي.. لم أعُد فيك هائِماً فاستريحي
سكنت ثورتي فصار سواء.. أنْ تليني أو تجنحي للجموح
واهتدت حيرتي فسيّان عندي.. أنْ تبوحي بالحبِّ أو لا تبوحي
وخيالي الذي سما بك يوماً.. يا له اليوم من خيال ٍ كسيح
والفؤاد الذي سكنتِ الحنايا.. منه أودعته مهب الريح
لا وعينيكِ ما سلوتك عمري.. فاستريحي وحاذري أنْ تُريحي.

الأغنية الوطنية .. من المقاومة إلى التذلل

موسيقار الأزمان : فريد الأطرش
يعيب العرب على ذواتهم أنهم كانوا على الدوام يتحدثون فيما بينهم عن مشكلاتهم والمظالم التي وقعت وما تزال تعصف بهم، وأنهم لا يحسنون لعبة الإعلام التي يستخدمها عدوهم.
وهم بتصورهم لم يفلحوا في الإخبار عن الأوليات ولا حتى في إيصال الأخيرات إلى الآخرين الذين من حولهم، كي يكسبوا تأييدهم في المحافل الدولية. من هنا، انبرى بعضهم يدعو إلى ضرورة توجيه خطابهم إلى الخارج، ونقل ولست أقول "تصدير" معاناتنا إلى الرأي العالمي من خلال مؤسساته الدولية والإنسانية، وإلى شعوب العالم قاطبة.
ولما كان لا سبيل هناك أمام تحرير أية أرض إلا بالمقاومة المسلحة، فقد التحمت الأغنية الوطنية مع السلاح، لدكّ قواعد المحتل الغاصب، خصوصاً في العقد السابع من القرن الفائت، لأجل أنْ تستقل بقية الأقطار التي كانت ما تزال ترزح تحت نير وجبروت المستعمر، ولتطهير فلسطين من براثن المغتصب الصهيوني، حيث حشّدت الأنظمة العربية مقدرات الشعوب العربية كافة واختزلتها في خوض هذه المعارك الفاصلة والحاسمة في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية.
وكان للعرب انتصارات في مواقع عديدات كالجزائر مثلاً، حيث تمّ تحريرها وإجلاء آخر جندي ومستوطن عنها، إلا أنّ بيارقهم قد أُنتكـِست في حرب 1967 فسمّوها "نكسة". والتهم الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب مساحة من أراضيهم، تربو على ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين المحتلة حتى ذلك التاريخ.
والحال كذلك، حريٌّ بنا أنْ نسمّي الأشياء بمسمياتها الطبيعية، ذلك أنّ تلك الحرب أسفرت عن هزيمة نكراء ومخجلة، لا يمكن مداراتها بأية حال من الأحوال خلف ستار مثل هذه التسمية؛ فقد انعكست تداعياتها المدمرة على العرب مجتمعين، حيث كفر الجيل المعاصر لها من شباب العرب بالمبادئ والقيم، إلى الحد الذي جعله لا يؤمن ولا يعترف بالبدهيات والمسلمات التي تأتي في صدارة أولوياتها، وهي حقيقة أن التحرير لا يُنال سوى بالبندقية.
وحينما اختارت الأنظمة العربية التفاوض –الذي لن يُجدي نفعاً– سبيلاً لاستعادة الأراضي العربية المحتلة، بات لزاماً عليها، أنْ تخمد جذوة النار المشتعلة على جبهة الأغنية العربية المناضلة، التي لطالما شحذت الهمم، وألهبت بكلماتها وإيقاعاتها مشاعر العرب بلهيب القتال مثل أغنية "ثورة كفاحي" و"يا قدس" وغيرهما العديدات، فخرجت إلينا في الفترة الأخيرة كوكبة من الأعمال – لن أصفها هنا بالملاحم، فلفظة "الملحمة" عادةً ما تلتصق بالمعارك والجهاد.
وهذه الأعمال لم تدعو ولم تحفز البتّة على المقاومة بقوة السلاح، كالتي واكبت العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006 وعلى غزة في 2008 و2009 الذي دعت إليه ثــُلة منهزمة محتسبة زوراً على النخب العربية، لكأنها ارتأت في الملاحم الغنائية إبان حروب التحرير التي سبقت هزيمة 1967 أنها كانت تخاطب الداخل العربي وكفى لتعبئته ضدّ المحتل البغيض، من دون أنْ تصل إلى الخارج، وإنْ وصلت إلى وجهتها المبتغاة، فهي تخشى أنْ تؤلب الرأي العالمي في غير صالحنا، بخصوص هذه القضية الشائكة التي استعصت على العالم بأسره، خصوصاً وأنّ المقاومة المسلحة في عـُرف القوى المتسلطة عالمياً هي إرهابٌ مسلحٌ.
لذا أعلنت هذه الأنظمة مباركتها لمثل هذه الأعمال التي يتغنى بها عدد كبير من مغني اليوم –متاجرين طبعاً- بقضية الشعب الفلسطيني، بكلمات تـُظهر العرب مستسلمين لمصائرهم، من دون أنْ تكون لهم حتى ردة فعل، كالنعاج المـُساقـَة إلى حتفها، أو هي أكثر مقاومة منهم، وبصور لقتلى وأشلاء متناثرة وصور لثكالى وأرامل يبكين فيها على أولادهن وأزواجهن، وصور ترهب العرب، إذ تـُظهـِر فيها طائرات العدو وأسلحته المتطورة أمام شباب عزل إلا من سلاح الحجارة وقبله سلاح الإيمان، كما نرى في هذه الأغاني المتخاذلة المصورة، صوراً أخريات لجنود الاحتلال وهم يضربون وينكلون بأبنائنا في مشاهد مـُذلة، على هؤلاء المغنين أن يستحوا منها لأنها تبين للعالم أنّ العرب أمة جبانة وذليلة لا تستحق أن تعيش على هذه البسيطة.
فهذا ما يُراد للأغنية الوطنية أنْ تنتهجه كي تصل هذه الصور إلى العالم، فتستدر عاطفة الشعوب علينا بطريقة جديدة على الغناء العربي المألوف سابقاً في هذا النمط بالذات، حيث يـُضمّ إلى العمل الغنائي الواحد أحياناً أكثر من ثلاثين فناناً دفعة ً واحدة -بعضهم من المغنين والبعض الآخر من الممثلين ذوي الأصوات الرديئة لغرض سأخبركم عنه لاحقا– بحيث يؤدي الواحد منهم مقطعاً بطريقة خاطفة لا تتجاوز في الغالب ثواني معدودة، لإضفاء الأهمية على العمل.
وما دام الفنانون العرب المحسوبون من ضمن النخبة بهذا المعتقد وهم من هم في وضعهم لجهة الجمهور، فهم في معتقد المتلقي الأجنبي يعكسون خياراً ومساراً جديداً ينتهجه العرب في نظرتهم إلى الصراع العربي الإسرائيلي، على النقيض مما كان عليه فنانونا الرواد، ومنهم مثلاً فريد الأطرش الذي حاول بصوته، أنْ يداوي جراحات العرب عقب الهزيمة التي محقتهم في 1967.
واستطاع الأطرش بمفرده أنْ يبعث الروح المعنوية المقاومة التي خارت قواها لدى الجندي والمواطن العربيين على حدّ سواء، لكونه سليل أسرة مجاهدة، تربى في كنفها على مناكفة المحتل حتى آخر رمق، فاسمع المتلقي العربي نشيد "يوم الفداء" الذي تغنى فيه بيوم النصر، الذي آمن به على الرغم من كل الانكسارات والمكابدات التي لحقت بالأمة فلم يداهن ولم يهادن العدو ولم يُمجّد في عمله هذا إلا حقيقة النصر القادم بقوة السلاح.
وقرّ الأطرش عيناً بانتصار العرب في حرب رمضان 1973 واحتفل معهم بالوعد الذي قطعه على نفسه في نشيد "وردة من دمنا" الذي جاء احتفالاً بالعبور، وذكّر فيه مستمعيه بأنه قد وعدهم وعداً صادقاً بالنصر لإيمانه بتاريخ أمته التليد، وليقينه بعدالة الله، حينما يقول في نهاية كل كوبليه "إنّ للباطل جولة"، وكذلك لقناعته بأنّ العرب خسروا في معركة ولم يخسروا القضية برمتها، فلا يجب أنْ تفتّ الهزيمة في عضدهم عندما خاطب المرأة العربية التي استوحاها الشاعر الكبير بشارة الخوري في هذا القصيد وتغنى منتشياً بطعم النصر صادحاً:
نحن يا أختُ على العهدِ الذي.. قد رضعنـاه من الْمهـدِ كِلانا
يثربُ والقدسُ منذُ احتلمـا.. كعبتانا وهوى العُرْب هوانا
فكان نشيد ( يوم الفداء ) تنبؤاً بل إيماناً منه بهذه الحقيقة، التي تسرب الشكّ إليها في صدور الشباب آنذاك، عندما صدح بهذه المبادئ المستشفة من هذه القصيدة:
يوم الفداء
كلمات الزجّال والشاعر والأديب بيرم محمود التونسي
لحن وأداء فريد الأطرش
شعبُنا يوم الفداءِ فعلـُه يسبقُ قولـَه
لا تقـُل ضاع الرجاءُ إنّ للباطل ِجولة
ما لعدوان مقرٌّ والوغى كرٌّ وفرُّ
نحن للتاريخ أمجاداً بنينا
ورسالاتُ الهُدى بين يدينا
نحن شعبٌ لا يبُالي يتسامى للأعالي
بكفاحٍ ونضال وجنود الله حوله
إنّ للباطل ِجولة
فوق أرضي لن يمروا وبها لن يستقروا
في طريق النصر لن نحني الجبين
لن يهونَ العزمُ فينا لن يهونَ
أرضنا للحق مهدٌ وانتصار الحق وعدٌ
لم يدُم للظلم عهدٌ لم تعـِش للظلم دولة
إنّ للباطل ِجولة
قـُل لهم أين المفرُّ؟ فلهم يوم أمرُّ
قد تآخينا هلالاً وصليباً
وتلقينا بعيداً وقريباً
يا له يومٌ مقدر يذكرُ التاريخُ هوله
هلّل الشعب وكبّر قائلاً:
اللهُ أكبر.. اللهُ أكبر
لا إله إلا الله ..

اصالة.. صوت فاق قدرات الملحنين

آصالة نصري
لقد كان لنا في ليبيا سابقُ معرفةٍ، بصوتِ الفنَّانةِ السُّوريةِ الشَّابةِ أصالة نصري وتحديداً - في المنتصفِ الثاني من ثمانينيات القرن السابق، أي مُذ كانت صغيرة، وذلك من خلال زيارتِها الأولى إلى بلادِنا، برفقةِ وفدِ فنيٍّ سوريٍّ كبيرٍ، كان في طليعتِه، والدُها الفنَّانُ الراحلُ مصطفى نصري الذي طالما أبكّته في اللقاءات المُجراة معها، وآنذاك كان صوتها في مراحل تكوينه الأولى، غير أنَّ خامة هذا الصوت، تركت فينا انطباعاً، أنبأ بظهور موهبة غنائية حقيقية، بعد أنْ استمعنا إليها، وهي تتغنى بعمل وطني أنشدت فيه هذه الكلمات الليبية :
لو في الدنيا كلمة أحلى.. من كلمة أمي أنا جيتك
ما يكفيش انقول حبيبة.. أنا محتاجة كلمة أحلى.. وأكبر من كلمة حبّيتك.
فصوت هذه الفنانة، ذو خامة قوية قابلة لأنْ تتشكل وتُطوَّع كيفما يُراد لها من خلال الألحان المُقاسة على حجم صوتها، وبعد أنْ تمرست في الغناء، شيئاً فشيئاً، واكتسب صوتها أبعاداً أدائية جديدة، نتيجة التعامل مع عدد من الملحنين في سوريا وليبيا انتقلت بعدئذٍ إلى مصر وكانت على موعد هناك مع أكبر مُلحنين مُتبقيين من زمن الغناء العربي الجميل، هما محمد الموجي الذي صاغ لها لحناً من أجمل ما يكون، وهو لحن أغنية "سامحتك" كما قام الملحن سيد مكاوي بتلحين عملٍ آخرٍ لها، بعنوان "لو تعرفوا" فوضعاها بهاتين الأغنيتين على قاعدة صلبة في أول مرحلتها الغنائية الجديدة، إذ أنها انطلقت بهما، انطلاقة قوية، وهي المبتدئة وحديثة العهد في هذا الاتجاه (الاحتراف) ذلك أنَّ هذين العملين، جاءا على مقاس صوتها الكبير في قدراته، وكانا في ذلك الحين، بمثابة إحياءٍ للأغنيةِ العربية الأصيلة، التي دأب على تقديمها هذان المُلحِّنان مع كبار المطربين والمطربات العرب، في العقود الأربعة الأخيرة، التي سبقت فترة ظهور صوت هذه المطربة الرائع إلى حيز الوجود، كما كانا بمنزلة استنهاضٍ للأغنيةِ المُلتزِمة من سُباتها العميق، الذي مضت عليه لوقت طويل.
فبعد أنْ عانت الساحة الغنائية العربية من فقر مُدقع، في كمِّ وجودة الأصوات الحسنة والمتمكنة، التي تتقن أداء الغناء العربي الصَّحيح، بعد رحيل بعض المُطرِّبات الكبيرات عن الوجود، واعتزال البعض الآخر منهن، وذلك في المنتصف الأول من العقد الأسبق، فكان ظهور هذه الخامة الصوتية النفيسة، كبارقةِ أملٍ أضاءت في سماء الأغنية العربية جمعاء، إلا أنَّ هذه الفرحة لم تكتمل، ولم تدُم طويلاً، إثر رحيل أخر مُلحنين من زمن الغناء الجميل، وأول من وقف إلى جانب هذه المطربة وآزرها، فتركاها وحيدةً، وسط زحمة وغابة الملحنين، بعد أنْ تبناها لفترة وجيزة، أسفرت عن صدور العملين المذكورين فقط، ما كان داعياً إلى أن تحذو الفنانة أصالة حذوها في اتجاهٍ آخرٍ، وتنخرط في التعامل مع مُلحِّنين آخرين، تعدَّدت أسماؤهم، وقلّت مستوياتهم عن الملحنين الراحلين، اللذين منحا صوتها عملين رائعين سيبقيان دائماً في ذاكرة المستمعين، وليؤكدا على قدرة صوت هذه الفنانة على تقديم العمل الغنائي الرفيع القدر، إذا ما توافر لها اللحن، الذي يرقى إلى جمال صوتها وطبقاته المتعددة.
فقد كان من المفترض طبيعياً بهذا الصوت، أنْ يغني على لحنٍ يأتي في مستوى اللحنين الأولين على أقل تقدير، لكن ذلك لم يحدث، باستثناء الألحان التي أعدَّها لها المُلحِّن حلمي بكر لكونه بتصوري من التابعين للجيل الأول، أما ما عدا ذلك من ألحان، نجمت عن مرحلة تعاون هذا الصوت المتمكن مع ملحنين آخرين، فأجدها كانت أضأل مقدرة من أداء وإحساس الفنانة أصالة أي على غير المُرتجى، لكونها لم ترتقٍ إلى مستوى النغمين، اللذين بدأت بهما مسيرتها في اتجاه الاحتراف، وهذا الأمر يعكس خلل كبير في التلحين، الذي تعيشه الساحة الغنائية العربية في الآونة الأخيرة.
فلو قــُدِر لهذا الصوت أنْ يمضي في الاتجاه الصحيح الذي يستحقه، لكان قد أبرز إمكانيات جليلة يحوزها، لكن ما العمل ؟ فهذا الأداء الرائع، الذي تـُعرف به الفنَّانة الشَّابة أصالة ظهر في غير أوانه، وهنا لا نرمي من قولنا، أنها قد تأخرت في سعيها إلى الاحتراف، لا فكُلُّ ما عنيناه، هو أنها قد خرجت في فترة تردي وانحطاط الغناء العربي، وخصوصاً في مجال التلحين، بعد أنْ كنا قد عانينا من مسألة تدهورٍ في الأصوات، في فترة سابقة، أشرنا إليها في بدء هذا المقال، فالظروفُ هي التي، لم تواتِها، لكونها لم تـُعايش رموز التلحين العربي الأفذاذ، وإنْ أدركت أخر جوهرتين انفرطتا من بقايا ذلك العقد الفني الفريد، في أواخر أيام حياتهما، الأمر الذي من شأنه، أنْ دفع بهذه القامة الصوتية المهيبة فيما بعد، إلى أداء الأغنية الخليجية ذات المقام الخماسي، الذي لا ينتمي أصلاً إلى الموسيقا العربية لا من قريب ولا من بعيد في أغلبه، هذا الغناء، الذي مهما تجمّل في آذان المتلقين، فهو بذائقتي، لن يرتقي البتة إلى مصاف ومستوى القدرة والحرفية الفائقة التي تكتسي هذا الصوت.
فمثل هذا الغناء لن يزيد صوتها شيئاُ ذي قيمة فنية، ولا أتزيَّدُ (أبالغ) إن قلت: إنَّ العكسَ صحيحٌ، حيث إنّ هذه الفنَّانة بصوتها وأدائها، هي من أضافت إلى الأغنية الخليجية، الشيء الكثير، فقد أكسبتها البهاء والقبول لدى المستمع العربي، وذلك من خلال أغنيات كثيرة، أذكر منها مثلاً: أغنية "ليه الغرور والكبرياء" فأداؤها لهذا العمل، كان مُغايراً لطريقة الغناء هناك، مع أنَّ اللحن كان من الألحان، التي عُرِفت بها هذه الأغنية، فأدت العمل بأسلوب لم يعهده المستمع العربي على هذا الغناء إطلاقاً، وهنا أودُّ أنْ أُذكِّر القارئ، بأنَّ الفنَّان الراحل عبد الحليم حافظ لم يُغنِ سوى أغنية خليجية واحدة، هي أغنية "يا هلي" ليس لكونها خليجية أساساً، لكنها كانت تتوافر على نصيب كبير من الموسيقا العربية ذات النكهة الخليجية من حيث الإيقاع وما يتخلل هذا النمط من الغناء، من تصفيق، ربما يُعزى ذلك، لعدم حاجته إلى هذا الغناء، ولإحاطته بعدد كبير من ملحني جيله، وأحسب بأنّ الفنانة أصالة حين إقدامها على أداء هذا اللون، أرادت أنْ تثبت فقط لمجايلاتها من الفنانات، بأنها تستطيع إتقانه لا غير، مع أنِّ الكم الذي أدّته كان كبيراً جداً.
ولأنني أدرك مواطن الجمال في أداء وأسلوب غناء هذه المطربة، التي سوف لن تخرج إلا بتعاملها مع ملحنين أكفاء، يعرفون كيف ينقبون عن الدُّرر الكامنة في حنجرتها، وفي طبقات صوتها، التي ما فتئت تبرزها لهم في حفلاتها، كي يسعون وراء ذلك، ولكن من دون جدوى حتى الآن، فنحن نفتقد مثل هؤلاء الملحنين، فأغلب من هم موجودون الآن، لا تبلغ مستوياتهم رفعة وقوة هذا الصوت، فالفنانة العربية السورية أصالة هي اسم على مسمى، لكون اسمها، يعني الأصالة والالتزام في الغناء، وصوتها الذي فاق قدرات واستطاعات ملحني اليوم، يُكرس هذه الحقيقة الأكيدة.

الإنشاد الصوفي

الإنشاد الصوفي من صنوف الغناء العربي المعروفة، وهذا النمط الغنائي المشهور يكاد يكون مُعمَّماً على سائر رقعة الوطن العربي، ولست أعي سبباً مُحدَّداً وراء شيوع وانتشار قصائده على نحو موحَّد وغير مختلف كما في الألوان والطبوع الغنائية الأخرى.
وقد يتكرس بعض من المقامات الموسيقية العربية في منطقة ما من دون سواها، ليس على مستوى الوطن الكبير ما أعنيه فحسب، بل حتى داخل القطر الواحد.
فالغناء الدنيوي (العاطفي وما هو في حكمه) وعلى الرغم من تنوع مقاماته واختلاف درجاته الموسيقية التي يُعرَف بعضها بربع الدرجة (ربع التون) وهي الدرجة التي يمتاز بها السلم الموسيقي عن الموسيقى الموجودة في أصقاع أخرى، وبخاصة في مقام (الرصد) غير أنّ بعضها قد يُعطّل في جهات بعينها بخلاف الإنشاد الديني (الصوفي وما شاكله).
والانشاد الديني عامُ ُ وغير خاص، فأية قصيدة منه تُنشدُ في المنارات (الزوايا) الصوفية باختلاف طرقها وتعدُّد أورادها، وكذلك كل نشيد ديني يؤدى في الابتهاجات الدينية في ليبيا على سبيل المثال، هو ذاته المقدم في الجزائر ومصر وبلاد الشام ايضا.
لكني أحسبُ بأنَّ ما كان داعياً إلى السبب الذي أشرت إليه انتفاء معرفتي به، هو معرفة العرب بهذا الغناء بصفة موحدة. والقصائد المندرجة تحت عنوان هذا النمط الغنائي والمنتمية إليه هي أقرب ما تكون إلى فنِّ الموشحات، هذا الفن العربي القديم والأصيل، الذي عهده العربُ بعد انتشار الحضارة الإسلامية بكل مظاهرها وعلومها وفنونها بفضل العلماء والموسيقيين مثل زرياب والفارابي وغيرهما من روَّاد قاموا أثناء ترحالهم وبحثهم عن العلم بأخذ هذه الفنون معهم إلى كل الأمصار والبلاد التي انضمت إلى الجغرافيا السياسية الإسلامية، حتى استقرت إلى وقت مديد في بلاد الأندلس وسطعت نجوم موسيقيين آخرين فيما بعد، منهم زيدون وعبّدون.
وحقيقة القرابة بين ما كان من ذلك الغناء، والإنشاد الديني المستمر لدينا إلى وقتنا الراهن ليست بخفية، فهي بائنة وواضحة الملامح حتى بمقاربات بسيطة، سنجريها على قصيدة مُهمَّة في الإنشاد الصوفي، ومعروفة في الأقطار العربية كلها، فلو ذكرنا قصيدة "يا أبا الزهراء" القائل مطلعها:
يا أبا الزهراء يا سندي.. جُد ليّ بالإحسان.. هبني قدراً
نجد أنّ لحنها، هو نفسه لحن الموشح المعروف "يا إمام الروح" والمعروف في مدينة حلب السورية، بأنه من "القدود الحلبية" من حيث التلحين والوزن الشعري والتي عُرف بتقديمها الفنَّان السوري صباح فخري.
الجميل في هذا الغناء أنه يؤدى حتى من دون عزف موسيقي مصاحب للإنشاد أو على الأقل يُنشَد على وقع الدفوف بضبط إيقاعي محكم الأوزان ومدروس، كما أنّ الرائع فيه أيضاً، أنه يؤدى بهيئة جماعية، فيها من التماهي ما فيها، وفيها من الاندغام ما فيها إذ يُشاركُ فيه المتلقي من دون تكلفة ولا تكلـّف، مثلما يحدث في أداء الابتهالات والقصائد الدينية في مناسبة المولد النبوي الشريف ما يصطلح على تسميته في الزوايا الصوفية وبصفة عامة بـ"البرزنجي والبغدادي".
وهذه نقطة ثانية يتقاطع عندها الغناء الصوفي مع فنِّ الموشحات، وهي صفة الإنشاد الجماعي، وتضاف إلى الأولى في المقاربة المُجراة بينهما في هذه الفقرة.
فلله دُرّ هذا الغناء الديني المُحبِّب في رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمُهذب للنفس بالزهد والانصراف عن مباهج وزخارف الدنيا، والدَّاعي إلى السير على خُطى الصحابة رضيّ الله عنهم وأرضاهم والاقتداء بشمائلهم وإلى اقتفاء نهج الصالحين الأبرار.
وهذا النوع من الإنشاد أراه من أجناس الأدب، لكونه يتبنى معاني ومضامين تـُصلح من شأن المرء، ولأنه لا يُخاطبُ الجسدَ بل الروحَ، وأصدقُ دليل على ذلك، أنك ترى الحاضرين يعيشون بوجدانياتهم، وهم يصغون إلى كل معانيه وألحانه التي تـُطربُ الروح، ولا يثيرون أي مظهر من مظاهر الانتشاء الطربي الجسدي المعروفة لدى الاستماع إلى الغناء الدنيوي، من رقص وتصفيق ونطّ، اللهم إلا بعض الإيماءات الإيمانية اللااردادية، بعد أنْ تعيش قلوبهم الطقوس الروحانية وبعد أن تتشبّع أرواحهم ومكنونات أنفسهم بالتفكر والتدبر. ففي هذا الضرب الإنشادي بهجة للروح والنفس والعقل معاً.

الاثنين، 24 يناير، 2011

ما الفرق بين الغناء والكلام الملحن؟

ليس بالضرورة أن يكون كلَّ ما نسمعه من قول مصحوب بموسيقى غناءً. ولو نفينا عنه صفة الغناء، فهذا لا يعني أننا انتقصنا من شأنه شيئاً فقد يصبح لوناً جديداً من التعبير نظلم من يحترفه حينما ندرجه ضمن مفهوم الغناء؟.
ولأننا بالدرجة الأولى معنيون بفنِّ الغناء العربي المتقن، فسوف نلحظ أنّ ثمة بُعداً شاسعاً وجفوة كبيرة بين ما يُبثُّ الآن من غناء –كما يدّعي مقدموه– وأصول الغناء العربي.
ومن أبجديات الأخير البديهية، علاوةً على الكلمة الشعرية الجادة واللحن المموسق على المقامات العربية، يجيء الصوت الحسن في صدارتها. ولأننا لا نريد أن نتزيَّد ونتصلب عند رأي مُتشدِّد خشية أنْ نشقَّ على مطربي اليوم لقلنا الصوت الحسن المتكامل الأبعاد والجوانب الجمالية من دون تنازل ولا نقصان: وهو ذلك الصوت الذي يُجيد أداء طبوع الغناء العربي كلها، فلا يكفي أنْ يلتزم صاحب الصوت الذي على درجة من الجمال بأداء لون معين ويكتفي به بل يتعيّن عليه أنْ ينجح في أدائها جميعاً.
وكم من مُغنٍّ صُنِّف من قِبل المتلقين في عداد ذوي الأصوات المليحة في حين أنّ صوته في سويّة لا بأس بها غير أنه عرف كيف يتهرب من الوقوع في منزلق يفضحه حال خروجه من تحت عباءة اللون الغنائي الذي قد اختاره لحنجرته من دون سواه مثل الفنانين الراحل عبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية وغيرهما.

ومن الأصوات المستوفية لشروط اكتمال محاسن الصوت وسلامته للغناء العربي أصوات كل من أم كلثوم ووديع الصافي ومحمد عبد الوهاب، حينما كان في عزِّ شبابه وفي أفضل حالاته في عشرينيات القرن المنقضي أي قبل دخول تقنية التسجيل الصوتي إلى الأقطار العربية في ثلاثينياته.
ومن بينهم ايضا السيدة فيروز وصباح فخري وغيرهم من فنانين سابقين ولاحقين ذلك أنّ خمستهم أدّوا بمهارة صنوف الغناء العربي المتقن جميعاً -الشعبي منه والحديث- كالطقطوقة والموشح والقصيدة والأناشيد والابتهالات والأغاني القصيرة والطويلة أمام الجمهور مباشرة أو خلف أجهزة التسجيل المسموع والمرئي، ليس هذا وكفى بل إنهم تطرقوا إلى شتّى المقامات الموسيقية فأخضعوا أصواتهم لاختبارات صعبة وتجاوزوها بنجاح تلوالآخر.
العجيب أنك قد تستمع إلى "عمل" وعند فروغك منه مباشرة، لا تستذكر منه أية كلمة مع أنّ كلامه عربي صرف؛ ذلك أنّ مؤديه لم يقدر على أنْ يشدَّك إليه. وإنْ تمعنت في ذلك وسرت وراء السر، ستجد أنّ لا الصوت صوت ولا اللحن لحن ولا الكلام كلام، ما يعني انتفاء تواجد عناصر الأغنية أصلاً وتركيبتها أيضاً.
ولا تلومنّ المؤدي بل لـُم نفسك، ذلك أنك بحثت عن الغناء في غير موضعه وطلبته ممّن يفتقده فهو لم يدّع ِ بأنه مطربٌ ولا مُغنّ، لكنك أنت من افترضت وظنّنت ذلك فخاب ظنُّك ومسعاك.
غير أنني أضع اللوم كل اللوم على أصحاب هذه الأصوات الذين غدوا يشكـّلون نسبة عالية مقارنة مع أصحاب الأصوات الجميلة التي لا تكاد أن تبين وسط هذه الزحمة، لكونهم لم يجدوا لذواتهم ولا لما يقدمونه من تعبير او تسمية جديدة يُعرفون بها أنفسهم للمستمع العربي كي يصبح في مكنته تصنيفهم.
وهم بذلك أساءوا مرتين: الاولى لأنفسهم والأخرى للغناء العربي بصفة عامة حينما أقحموا ما يقدمونه من لون في فنِّ الغناء العربي الذي لم يألف في يوم من الأيام هكذا أسلوب كالذي نسمعه حالياً من بعض الشباب الذي لا يرتقي البتة إلى درجة الغناء الحقيقي حتى إنْ حاول بعضهم تقديمه بالصورة المشهدية عينها التي درج عليها العباقرة الأوائل، وإنْ كان غناءً فهو مُشوّه لأنك لا تستمع فيه إلى أية جملة موسيقية مفيدة -على غرار مفهوم الجملة المفيدة في اللغة العربية حين تكتمل اركانها– ويستطيع أيُّ شخص تأديته من دون أدنى تفنُّن، الأمر الذي ينزع عنه ثياب الفنِّ ويلبسه لبوساً ثانياً، علينا أنْ نحدد طبيعة ونوع وملمس قماشته لنسميه بها.

الأغنية الراديكالية في ليبيا

تجمهرت الحشود أمام مدخل القاعة الكُبرى، التي ستشهد أروقتها الحفل الغنائي الكبير والمنقـطع النظير، وبعد طول انتظار، تمكنَ البعض منهم من الدخول إلى باحتها.
وبعد جهد وعناء، تحصل قسم من الداخلين على مقاعد له بها، وبعد هرج ومرج، قبل القسم الآخر بالوقوف من دون أي اعتراض وعن طيب خاطر، فحسبه من كل ذلك، أنه سيتمكن من رصد هذا الحفل ورؤيته عن كثب، ودونما أية واسطة، فهو أوفر حظاً من الذين بقوا مصطفين بالخارج، ولم يتسنَ لهم الدخول، هذا إن قارن حاله بحالهم، خصوصاً وأن مثل هذا الحدث لا يتكرر كثيراً، على شرف ذلك المطرب المشهور، الذائع صيته بين الفتيان والمُعبِر عن لواعجهم، والشائع صوته بين الفتيات المعجبات به، اللائي طالما حننَّ لرؤيته وغننَّ معه أحلى الأغنيات التي حفظنها منه وعن ظهر قلب، وتحينَّ الفرصة للقائه المنشود.
وفيما كان الحضور يتحرق ويتلهف شوقاً لبداية الحفل، كانت الجوقة الموسيقية التي ستُصاحب هذا الفنان المنتظر عزفاً لدى غنائه، والمؤلفة من أربعين عازفاً ماهراً، مشهودٌ لهم بالكفاءة، وخمسين صوتاً مُنشِداً أو يزيد، يقفون وراء الأولين، ويتأهبون جميعهم استعداداً لها، وأخذ كل فرد منهم في تعديل آلته الموسيقية التي كان يتأبطها أو يحتضنها ببعض التمرينات، للتأكد من جودة نغمتها، وجعل الطاقم الفني، يتأكد هو الآخر مما إذا كانت الأمور الفنية والتقنية تسير وفق الخطة المُعدَّة لها، وعلى خير ما يُرام، كي تنقل الحفل بصوت جلي وصورة واضحة وعلى الهواء مباشرةً، إلى الذين يقبعون في بيوتهم وينتظرون على أحر من لهب الجمر مشاهدة هذا المطرب الملقب بفارس الأغنية، الذي لا يُشقُّ له غبار على شاشة المرئية وعبر أثير المسموعة، وكانت كل هذه الأمور تجري على قدمٍ وساق.
وتمَّ كذلك تسليط وإلقاء الأضواء الملونة والمبهرة للأبصار على المسرح، كما وُزِعت عدسات التصوير الثابتة والمحمولة، التي كانت بحوزة الصحفيين على أركان وزوايا المسرح كافةً، لأنهم ينوون نقل هذه السهرة الغنائية بحذافيرها إلى أعين القراء، فيكونون بذلك قد تحصلوا على سبقٍ صحفي، سينشرونه فيما بعد في الزوايا والأعمدة والأبواب الثابتة، التي يشرفون عليها، والتي سيتصدرها هذا الحدث الجلل على صفحات المجلات والصحف الفنية والشبابي، ولست أبالغ إنْ قلت حتى الاجتماعية التي تصدر يومياً وأسبوعياً وشهرياً بتغطيةٍ شاملة وموسعة، وعلى الوجه الأكمل.
كل ذلك لكي لا يُحرم أحد من متابعة هذا المهرجان المرتقب منذ زمن طويل، وأضحى حديث الساعة بل حتى الدقيقة والثانية كذلك، لذا حشدت له اللجنة المشرفة عليه كل هذه الإمكانيات الهائلة التي تليق بمقامه ومقام الفنان، رفيع الشأن.
وبعد أن باتت الأمور الفنية في أتم جاهزية، قام قائد الفرقة الموسيقية (المايسترو) بتحريك كلتا يديه بحركة خاطفة، لا يعرف كينونتها إلا أعضاء فرقته، الذين شرعوا في الحال بالعزف إيذاناً ببدء الحفل، كلٌّ بحسب آلته بنفخ المزامير وقرع الطبول ونقر الأوتار، لتنصهر كل هذه النغمات الصادرة عن هذه الآلات في مقام (البياتي) الذي يتسم بطابع الفرح، كذكاءٍ من (المايسترو)، للتخفيف من وطأة التعب التي لقيها الحضور من تراصهم وتدافعهم قبل تمكنهم من الدخول، ولكسر حالتي الرتابة والملل اللتين لحقتا بهم من جراء انتظار قدوم المطرب.
وبعد عزفٍ دام قُرابة نصف ساعة في تواصل مستمر ودونما انقطاع، صمتت تلكم الآلات في لحظة واحدة، إثر إشارة حاسمة من قائد الفرقة، معاكسة للأولى، إلى ذلك، صعد نجم السهرة إلى رُكح المسرح، وسط تصفيق وصفير وزعيق الجمهور الحاضر، وحملقة الرابضين خلف شاشات المرئية، كذلك إنصات المستمعين بأذان صاغية من خلال أثير المذياع، وكما هي العادة دائماً عند لقاء نجم لامع في سماء الأغنية بمحبيه كنجمنا هذا.
تبودلت التحيات والهدايا بينه وبين جمهوره الذي قدم من كل حدب وصوب بأعداد غفيرة، وعلى مدِّ البصر، كما اُلتقِطت معه الصور الفردية والثنائية والجماعية.
وبعد أن فُرِغ من هذه الطقوس الاستقبالية، حان وقت الجد، وآن الأوان للغناء، فعاد (المايسترو) ليُعطي إشارة البدء لتقديم أول وصلة غنائية مُدرجة لديه، من ضمن باقة الأغنيات المبرمج لها، والتي سيتغنى بها مطرب هذه الأمسية السَّارة.
شرع كل عازف يعزف ما كُتب، وينظر إليه من خلال النوتة الموسيقية الموضوعة قُبالة ناظريه، فأنتجوا معاً جُملة موسيقية، هي أشبه ما تكون بشذرات إيقاعية، قدَّم المغني على وقعها موالاً نُسج على منوالٍ معتاد، من حيث الكلمة واللحن والأداء، ثم تخللت هذه الوصلة وقفة ضرورية، كي تنتقل الفرقة إلى مقام آخر، وكي تفسح مجالاً للحاضرين كي يعبروا عن مدى إعجابهم بالمطرب فما كان منهم، إلا أنْ أمطروه بوابل من الهتاف، وسيل من الصراخ، بمجرد أن أدَّى مواله وتقاسيمه، التي بدأها بآهات وأنهاها بلالات، مجردة من أية كلمات ذات معنى ومضمون.
وبعدئذٍ عزفت الفرقة مقطـوعـة طويلة نوعاً مـا صيغـت علـى مقـام (الصبا) ذي الحزن والشجن، وهو أحد المقامات الأصيلة والمنسوبة إلى الغناء العربي الصحيح، والغائر بجذوره في صميم ووجدان الإنسان العربي منذ القـدم.
وها هو الفنان، يقترب بصوته من مكبر الصوت، ليسمع الحضور والمشاهدين والمستمعين، ما يعتريه من مشاعر وجدانيه، أحبَّ أن يُقدمها مغناةً بصوته الشجي.
جاء الفنان ليصف حالة الحب التي يعيشها وتنتابه في مطلع أغنيته معبراً بها عن ذاته وعن كل متلقي لديه الإحساس عينه، فشدَّ الجواب شداً مبحوحاً عانق وطاول عنان السماء، وزعق زعيقاً مأساوياً يخلو من أية عاطفة كأنه زمهرير عاصفة هوجاء، وهو يردد كلمات بصوت مُمطط ومُحبط، بقصد وصف حالة الهيام التي يعيشها فشبهها بنشوة الخمر، ولأنه اعتمد هذا الوصف، لم يتذوق أغنيته سوى من ذاق قبلاً طعم هذا المنكر، وتجرعه وجرّب نشوته، وأصبح هذا المستثنى بسوى يتمايل على أنغامها، ويرقص مترنحاً، كأنه في حالة سُكرٍ إلى حد الثمالة، لا أراكم الله مشهده فإنه يبعث على الاشمئزاز والتقزز.
أما الذي لم يعرف لهذا المنكر مذاقاً ولا تجربة، فقد أصبح في حيرة من أمره، وأصابه شعورٌ بالدوار والغثيان، ثم الدوران حول نفسه، وسوف لن أتساءل عن شعوره الذي قد يراه البعض غريباً، لكوني أدرك تماماً السَّر الكامن وراء ذلك، فهو حالة من الغموض قد اكتنفت هذا الوصف الشعري، وشيءٌ من الإبهام قد لفَّه، فكأنني بهذا الفنان، أراد بذلك أنْ يدعوه صراحة لتناول هذا المنكر، والعياذ بالله، حتى يستطيع معرفة هذا الشعور العاطفي، المقترن بذلك الوصف لحالة الُهيام التي لم يجد لها وصفاً آخراً، حتى أصبح شراً لا بُدَّ منه، وليس منه أي بُدّ في نتاجنا الإبداعي، على اختلاف مشاربه وأنماطه.
وبعد ذلك المطلع الذي استهل به الفنان أغنيته، جاء في مذهب آخر يتأوه من فراق حبيبته، التي شدا عن حالة الهيام التي تلازمه كلما خطرت بباله وعن أمله بلقياها، مع أنها لم تهجر الوطن، إلا أنه قد بوعِد بينهما كما باعد الله بين المشرق والمغرب، ليس من حيث المسافة ما قصدته، ولكني عنيت مدى صعوبة هذا اللقاء، الذي ينشده ويشدو به.
لا تستغربوا ما ورد مني فليس فيه أدنى مبالغة، لأنه بنفسه جعلني أصل إلى هذا الاعتقاد الذي أجزم به، فقد جاء في معرض كلام الفنان أثناء غنائه وعند ذكر حبيبته، أنْ نعتها بلفظٍ عادة ما يتكرر في أغنياتنا وهو (المرهون). وأعُرّف هذا اللفظ لمن لا يعرف معناه، وأذكر العارفين به، بأنه الشخص الذي كان حبيباً لأحدهم وصار لغيره، فكيف يسمح هذا المغني لنفسه بأن يتغنى بما لا يجوز التغني به، أي على إنسانة أصبحت لغيره؟ وأيُّ أمل هذا الذي يحدوه؟ فهو كأمل إبليس بالجنة، لعنه الله.
والأدهى من ذلك، أثناء غناء المطرب عن لقاء (المرهون)، كانت أصوات (الكورال) النسائية تُطلق الزغاريد التي تُطلق استبشاراً بالخير والفرح، في هذا المقام الحزين، فهذا تناقض ما بعده تناقض، وليختم وصلته بها.

لماذا لم تصل أغنيتنا إلى الشهرة العربية؟

إجابة عن سؤال فنّي قائم .. لماذا لم تصل الأغنية الليبية إلى الأقطار العربية الأخرى؟.
 من الطبيعي جداً، أن يُطرح السؤال، ومن ثم نباشر في محاولاتنا الجادة لإيجاد إجابة موّفقة عنه ، قد تُخطئ أو تُصيب ، و الفيصل بين الأمرين ،هو إن أتت هذه المحاولات أُكلها، وجنينا منها ثمرة تعبنا الناضجة، نُضجَ الإجابة التي تجعلنا تلقائياً لا ننقاد إلى طرحه من جديد ، وهي (زوال الاندهاش) الذي كان قائماً؛ لكنني ارتأيت في هذه  المرة ،أن اعكس هذه الآية ،بكسر التقليد المعروف – لماذا؟- هذا ما سوف تعرفونه فيما بعد، وقبل أن افرغ من هذه الافتتاحية ؛ وعلى من لا يطيق صبراً، ويفضل أن يجري على العُرف المُتبع دائماً  (سين ثم جيم) أن ينزل بعينيه مباشرة إلى خاتمة هذا المقال، ليجده مُدوناً بالخطَّ العريض، ومُذيلاً في أسفله ، غير أنني لا أنصحكم بذلك- لماذا؟(ثانيةً) - لكوني لو بدأت هذه البداية، ستختلط الأوراق ، وتقفز إلى الأذهان إجابات شتى، لطالما تمطّق ثم تمنطق بها المتمنطقون تشدُّقاً وعلى غير صواب ولا دراية، لأنها لم تقُم على أساس يحتكم ويستند إلى دليل وجدية، للوصول إلى حلٍّ جذري، به نضع اليد على موطن الداء ونشخص العلة، فنعرف بذلك كيف نتداركها بإيجاد الوصفة المداوية؛ وأيضاً لكي لا يحدث تشويش على صفاء التفكير، أثناء بحثنا عن الإجابة المرتجاة، بفعل هذه الإجابات المغلوطات، فنتحرر بذلك من سلطان تأثيرها السلبي ؛ أظنني الآن، قد عللت السبب بإجابتي عن سؤالكم الأول .
ما يحدد جهة الأغنية الليبية الشعبية ، هما اللهجة المنظومة عليها كلماتها والتي يتحدث بها أهل كل منطقة،كذلك اللحن الشعبي الخاص بها، فإذا أخذنا أغنيةً ما من الموروث الشعبي(الفلكلور) وأجرينا عليها هذا المقياس المزدوج، لتبين لنا ذلك بجلاء، وعرفنا على وجه التحديد، إن كانت من المنطقة الشرقية أو الغربية أو الجنوبية، فأغنية(العلم) مثلاً، هي من الجبل الأخضر، من لكنة وطريقة إلقائها نعرفها، كذلك الأغنية المرسكاوية من لهجة أهل الجنوب وإيقاعاتهم، وعلى غرارهما، نعرف الأغنية القادمة من جهة الغرب، من خلال الأهازيج المُصوغة والمؤداة على اللحن والكلمة اللذين هما سمتا هذه المنطقة.
أما على صعيد الغناء العربي المتعدد الجهات، نتيجةً لتعدد الأقطار،و إتساع رقعته الجغرافية، وتوزعه بين قارتين(أسيا وأفريقيا) فإن أية أغنية لا تخرج من حدود محليتها إلا إذا صيغت ألحانها على المقامات الموسيقية العربية، التي تدرس في كل المعاهد الموسيقية المنتشرة على امتداد الأقطار العربية ، وهذا لا يفيد بأنها ستفقد وتخسر خصوصيتها كما قد يخشى البعض، لأنّ ما يحفظ هويتها، هو اللهجة العامية المنسوجة عليها الكلمات، فهنالك من الألوان الغنائية الشعبية المتعددة في (لبنان) مثلاً، قدر ما هناك من ألوان في بلادنا، منها مثلاً لا حصراً: ) العتابا) و(الميجنا) و(الدبكة) إلا أنّ القاسم المشترك بين الأغنية،هنا وهناك، هو المقامات الموسيقية العربية(الشرقية) ببرهان أنه عند حدوث تعاون فنّي بين فنانين من قُطرين عربيين، تعرف الأغنية الناتجة من هذا التعاون من حيث الهوية ، من خلال كلماتها المغناة ،وما يساعد على هذا التمازج ،على الرغم من اختلاف الألوان و اللهجات، وفضلاً عن المقامات المشتركة، التي يُفترض أن يكون كل فنان مُلماً بها، هو أسلوب الغناء العربي الصحيح ، وهاكم مثالاً على ذلك : تعاون الملحن الليبي' إبراهيم أشرف' والفنانة اللبنانية الكبيرة'هُيام يونس' في عديد الأغنيات، التي هي بكلمات ليبية من نسج الشاعر'مسعود القبلاوي' وكانت تجربة ناجحة بدرجة الامتياز، كذلك الحال في تجربة الفنان الراحل 'عبدالحليم حافظ ' لدى غنائه أغنية (ياهلي) الخليجية اللحن والكلمة، على الرغم من أنها كانت تجربة محفوفة بالمخاطر على رصيده الغنائي الجميل- لماذا؟- سأرجئ الردَّ في سانحة لاحقة حفاظاً على النسق السردي، واتناولها مع تجربة الفنان الكبير 'وديع الصافي' مع الملحن الليبي 'إبراهيم فهمي' تلك التجربة التي أنتجت روائع وبدائع غنائية ؛ ما أردت التلميح إليه في هذه الفقرة ، أنّ الاختلاف بين اللهجات العربية إنما هو اختلاف واسع البون، لا سبيل إلى معالجته إلا باللغة الفصحى،التي فشلت حتى الجامعات و(الأكاديميات) في ترسيخها، لا لعيب في مناهجها،بل نظراً للتجهيل الإجباري وبث الفرقة بين الشعب العربي الواحد، اللذين مارسهما المستعمر في حملاته المتلاحقة على المنطقة وكذلك عصور الانحطاط التي مرت بها نتيجة ً لسقوط الخلافات الإسلامية المتعاقبة، ما يستلزم استغراق وقت طويل حتى ينجح هذا المسعى المتمثل في إعادة اللغة العربية الفصحى إلى ما كانت عليه في عصر ازدهار الحضارة العربية باعتبارها اللغة الأم في مجالات الفن والعلوم؛ ولمّا كان ذلك، وإزاء تعدد اللهجات والجهات، باتت الأغنية حين خروجها من نطاق المحلية، وتوجهها إلى الفضاء العربي، المترامي الأطراف، تحتفظ بهويتها من خلال الكلمة فقط ، من دون عنصر اللحن ، على خلاف ما كانت عليه، قبل ظهورها من موطنها الأصلي ، الموغل في المحلية إلى حد الانكفاء على الذات .

 حسن عريبي
شادي الجبل
إنّ الحديث عن الفنون، حديث ذو شجون، لذا سيجرنا إلى الخوض في غمار الأغنيتين الشعبية والحديثة، وما بينهما، فالثانية تولد من رحم الأولى ، غير أن الحبل السري الرابط بينهما قبل المخاض، لا يُقطع فورما تحدث عملية الإنجاب، لا بل يظل هذا النسيج ممتداً بينهما إلى فترة لا بأس بها، وحتى تتغذى المولودة( الأغنية الحديثة) من الأم(الأغنية الشعبية) و تعضُّ على ناجذها- أي- حتى تبلغ أشدها ولا تصبح في حاجة إلى رعايتها، بعد أن تشبَّ عن الطوق، وإلى أن تتم عملية الفصل المرتقبة، نجد أنّ الأغنية الشعبية في مرحلة انتقالية وصولاً إلى الأغنية الحديثة المنشودة، وبتشبيه آخر، سأوضح لكم هذه المسألة المتعلقة بنشوء الأغنية الحديثة؛ في الصناعات اليدوية(التقليدية) يقوم الصانع بمسك قطع لزجة من الطين بيد، ويأخذ بعد ذلك، في نتشها وشدها بالأخرى، حتى يتحسس بأنه قد تعلـّـق شيء منها بين رؤوس أنامله، فيقوم مباشرة بسحبها وبفرد ذراعه، وبعد فترة زمنية محدودة، يشرع النسيج الطيني اللزج الواصل بينهما يتراخى رويداً رويداً ، ثم ينقطع، لحظتئذٍ يتكون لديه قطعتان طينيتان ، ليس بينهما شيء آخر.
تأسيساً على هذا أودُّ في لمحة سريعة أن ندرس الأغنية الشعبية الليبية في مراحل فائتة، وكيف تمخضت منها الأغنية الحديثة، فبعد أن كانت الأغنية تُستمد من أغنيات تراثية محفوظة ومعروفة بالنسبة للمستمع، تأسست فيما بعد على ألحانها السائدة عديد الأغنيات بكلمات جديدة غير الأصلية على يد الراحل 'شادي الجبل' ومجايليه ، ومن ثم استمرت على هذا المنوال، الذي فيه شيء من روح الأغنية الشعبية في جُمله الموسيقية، وكانت هذه التجارب في المرحلة الانتقالية التي أعُدُّها فترةَ المخاض، ونظراً لهذا التحديث المطرد، برز العديد من الملحنين اللذين تطلعوا إلى الرقي بمستوى الأغنية إلى نظيراتها في الأقطار الأخرى، لاسيما أنّ جُلَّهم درسوا الموسيقا العربية في المعاهد الموسيقية الموجودة في هذه الأقطار مثل مصر ولبنان، وتوصلوا إلى ضرورة التلحين وفق قاعدة علمية صحيحة، وبما يكفل للأغنية المحلية، أن تنهض وتنتشر عربياً، مع الاحتفاظ على هوية الكلمة والعمل الجّاد على إعداد ألحان تأتي وفق المقامات العربية، والتعامل مع الشعراء الذين كان لهم الهاجس نفسه، وانتقاء الأصوات التي تجيد الغناء العربي على أحسن وجه، ونظراً لجهودهم المُخِلصة، لكسر الجمود الذي كان يكتنف الأغنية آنذاك بأطره التقليدية، بلغت الأغنية ذروة نجاحها في فترة جد قصيرة، وقياسية جداً، بالمقارنة مع العديد من التجارب المُحاثية لها في أقطار أخرى، فقد أصبح لها كيان خاص على أيدي هؤلاء الملحنين، الذين اذكر منهم: 'على ماهر' و'محمد مُرشان' و'إبراهيم فهمي'و'عطية محمد'و'عبدالحميد شادي'و'هاشم الهوني' مع الشعراء الأتية أسماؤهم:'أحمد الحريري'و'عبدالسلام زقلام'و'مسعود القبلاوي'و'فرج المذبل' فقدّموا لنا بأصوات كل من :'محمد السليني'و'عاد ل عبدالمجيد'و'خالد سعيد'و'محمود كريّم' درراً وروائع كثيرة، من منّا لم يتغنَ بها، ولا يتذكرها مثل) يا بيت العيلة) و(زي الذهب)و(يا سلام ع النسمة)و(بلد الطيوب) وغيرها؛ وبلغ نجاح هذه التجربة منتهاه، بعد ظهور الفنانين:'أحمد فكرون' و'ناصر المزداوي' فقفزت الأغنية الليبية قفزة كبيرة، إذ أنهما أوصلاها إلى العالمية.
حتى لكأن كل ما قُدم لم يكُن يصبُّ في صالحها، أو أنّ ثمة استيلاباً حدث لها، ما جعل هذا الفريق، يُقدّم الأغنية في صورة مشوهة، لا هي بالحديثة ولا الشعبية كذلك، بل هي أشبه ما تكون بالتي طُرحت في فترة المخاض التي أعرضت لها فيما مضى، إلا أنها في فترة انتقالية معاكسة، أي من الأغنية الحديثة إلى الشعبية، في إتجاه مستهجن ومُخالِف للاعتيادي الذي حدث للأغنية  في أمكنة أخرى، ولمّا كان كل ذلك، أصبحت تُعد على ألحان هجينة، لا تقوم على أسس موسيقية سليمة، الأمر الذي من شأنه، أن قوّض تلك التجربة الناجحة التي عكف عليها الأولون، وكل ذلك كان نتاج سوء فهم، لا بل هو نتيجة الفهم الخاطئ، وغير المبني على دراية، لأنّ الغناء على المقامات العربية، هو الأصالة في حد عينها، وبالأخص التي لم توظف قبلاً في الأغنية الليبية، كمقامي (العجم) و(النهاوند) وما إليهما من مقامات أخرى، ففي ذلك إثراء وتنويع واستزادة مطلوبة للرقي بفن الغناء في بلادنا ، وهذا ما ساعد على نجاح التعاون بين الملحن 'إبراهيم فهمي' والفنان العربي الكبير'وديع الصافي' في عملين تضافرت فيهما سُبل النجاح كلها، من لحن عربي أصيل ومتنوع المقامات وكلمة ليبية صرفة، حافظت على هوية الأغنيتين، وبصوت تعرفون جميعكم قدرهُ حتى أنه تغنى بهما، وهوَّ في أحسن حالاته، وكما عرفناه في أغنياته السابقة، ونجاح هذا التعاون له ما يقابله في مكان آخر، كنت قد أشرت إليه فيما فات و وعدتكم بتناوله، وها قد سنحت الفرصة لأفي بوعدي، نعم لقد كان تعاون الفنان' عبدالحليم حافظ' مع شاعر وملحن خليجيين محفوفاً بالمخاطر، لأن الأغنية هناك كانت تدور حول نفسها لإيغالها في المحلية، ولكونه كان يُحسن اختيار أعماله، رأى أنّ هذه الأغنية تحمل مميزات الغناء العربي القُح و الصحيح، وهنا أودُّ أن أُشير إلى أنّ ذلك الفريق الذي خوّل نفسه للحفاظ على الأصالة، كان وما يزال يُبدي إعجابه الدائم بالغناء الخليجي، ويأمل أن تلقى الأغنية الليبية ما لاقته الخليجية من حفاوة وترحيب من قِبل المستمع العربي في سائر الأقطار مع أنه لا تكاد توجد أغنية خليجية واحدة، تخلو من المقام الخماسي الذي لا ينتمي إلى المقامات العربية لا من قريب ولا من بعيد، فأية أصالة هذه التي يدّعيها ويدعونا إلى التشبث بها ؟ فإذا كان اللحن الكلامي سبباً في تفسخ اللغة الفصحى، فإن اللحن الموسيقي المبني على الأصالة هو من يُعيد اللُّحمة العربية؛ كما أنه ليس من الحفاظ على الهوية في شيء،  أن تستمر أغنيتنا على إيقاع رتيب، أو أن تُقدم صُحبة آلة العود فقط ، فقد تمَّ تجاوز هذه الطريقة في الأقطار الأخرى، اللهم إلا أن كان مثل هذا الغناء يُقدم في استضافة   إذاعية  ، فمن الملاحظ أنّ ثمة العديد من الأغنيات المسجلة على الأشرطة، هي على هذه الشاكلة التي تفتقر لعنصر التكامل الفني الواضح من خلال طريقة الأداء التي أقرب ما تكون إلى الإلقاء الشعري منه إلى الغناء، ذلك أنّ المؤدي هنا يتكئ على بلاغة الكلمة التي تلقى قبولاً وحفاوة كبيرين من المستمع، حتى أنك إذ تسأله عن رأيه يجيبك بكلمات يقولها لك غيره في مكان آخر، ومع أنني لست ممّن ينزعون إلى الكتابة باللهجة الدارجة، إلا أنني أجد من الضرورة بمكان، أن اذكرها لكم، فمن بين هذه العبارات، قولهم لك:' إنّ كلمات هذه الأغنية (قطع) أو إنها (جت ع الفاهق)'  لكنهم لا يعلقون البتّة على اللحن، الذي ما هو إلا مُجرد دندنات على آلة العود، بمقدور أي ِّ هاٍو أن يدندنها، ذلك أنّ لا جُمل موسيقية معدّة لها، وليس ثمة فواصل تتخلل(الكوبليهات) فيها، واعزو ذلك إلى ضآلة ثقافتهم الموسيقية، هذا إن كانت لهم دراية بها أصلاً، اقصد هنا بالطبع المغنين وليس المستمعين المساكين، فحين استماعك إلى هكذا أعمال، لا تعرف هل أنت أمام ملحمة غنائية، أم أنك في حضرة لحّام؟ حينما تجد في الأغنية مثل هذه التعبيرات ، يقول بما معناه من شدة ما ينازعه من شوق يودُّ الفكاك منه: إنه لو كان في مكنته الوصول إلى وريده، الذي هو في الواقع أقرب للإنسان من أي شيء آخر، على أية حال ، ليقوم بإمساكه ثم سحبه حتى يخرج من قلبه الذي ملأ الحبيب شغافه ، في محاولة منه للتخلص من ذاك الشوق ، فمثل هذا الكلام على الرغم من شدة بلاغته، لا أراه يصلح للغناء، ذلك أنه منظوم في شكل أبيات شعرية،ولكن لا شاعرية فيه تجعله مقبولاً، لذا يفترض بأنّ يظل مسجلاً على الأوراق، وغير مُلحَّن، بدليل أن ذلك الفريق عندما أراد تسويقه عربياً، لم يرتق ِ إلى مستوى الأعمال الناضجة، فتحجج بقلة الإنتاج، وهي حُجة واهية ولا سند لها، طالما أنها مسجلة على الأشرطة المسموعة ومصوّرة مرئياً، وتمَّ عرضها عديد المرات في الإذاعة وبغزارة في الأسواق؛ فالأغنية العربية الوافدة إلينا، التي قدّمها عمالقة الغناء العربي في فترات سابقة، تحصلت على تأشيرة مرور تعبر بها تلك الحدود الوهمية، ووصلت إلينا إبان قلة الإنتاج ووسائل الإعلام، فقد كان الجيل السابق من المستمعين يتمكن من الاستماع إليها عبر وسائل بسيطة جداً، مثل أجهزة المذياع المركونة في المقاهي الشعبية، ثم وُظفت الخيالة لتقدّمها عبر الأشرطة الغنائية والاستعراضية، وبعد ذلك أصبح في كل بيت مذياع، فتسنى للجميع، أن تتشنف أسماعه بهذا الغناء الجميل ، الذي فيه أسلوب الغناء العربي الصحيح والضارب بجذوره الأصيلة في وجدان وضمير المستمع العربي، أينما كان وحيثما وجد، وعلى امتداد رقعة الوطن العربي.
كل ما ورد في هذا المقال، كان إجابة مطوّلة على سؤال، تعددت الإجابات عنه، منها ما قاربت عين الحقيقة، ومنها من شطح مجيبوها بعيداً، خاصة ً ذلك الفريق الذي يدّعي الأصالة، لكن السؤال ظلَّ قائماً دائماً: لماذا لم تصل الأغنية الليبية إلى الأقطار العربية الأخرى؟. 

محمد حسن .. بين الغناء والتلحين

الفنان : محمد حسن
ثمة فرقة من النُّقاد الموسيقيين العرب، ما تزال تتخبط بشأن تصنيف الموسيقار العربي الراحل فريد الأطرش من حيث كونه مُطرِّباً أم مُلِّحناً، أم أنه يجمعُ بين الأمرين معاً، وهذه المسألة، هي من حملت الناقد المصري الكبير كمال النجمي رحمه الله، إلى أنْ يطرح هذا الأمرَ المُختلـَفَ حوله، في صورةِ سؤالٍ على موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فبـِمَ أجابه يا ترى؟ قال مخاطباً إياه "قـُل ما شئت عنه، لكن عليك أنْ تتذكر دائماً، بأنه مغن ٍ خطيرٌ". وستكون لنا وقفة مع هذه العبارة المقوَّسة، في مناسبة لاحقة من هذا المقال.
لعلّ من المعروف، بأنَّ الفنَّان فريد الأطرش قد قام بتنغيم (تلحين) جميع أعماله بعوده (بنفسه) ما عدا أغنية وحيدة، قدّمها له الملحن الفلسطيني يحيى اللبابيدي التي بعنوان "يا ريتني طير لطير حواليك" وكانت أولى أغانيه، التي عرفه من خلالها المستمع العربي، ثم بعد ذلك، غزا الساحة الغنائية بجيشٍ من الألحان، له أولٌ وليس له أخر، وأصبحت أعماله تترى، حتى اشترك مع شقيقته أسمهان في تقديم الشريط الاستعراضي الضخم "غرام وانتقام" ذلك الشريط، الذي أثار ضجَّة وجلبة كبيرتين، وأحدث ثورة موسيقية تجديدية على الأغنية العربية برمتها، لما قد احتواه من ألحان، لا تصدرُ سوى من مُلحِنٍ ضليع ٍ بأصول ومقامات الموسيقية العربية والألوان الغنائية الإفرنجية، حتى أنه قدَّم بمعيَّة أخته ملحمةً (أوبريتاً) ضمن هذا العمل الجلل، على موسيقى "الفالس" بعنوان "ليالي الأنس في فيينا" محدثاً بها، نقلةً نوعيةً على الصعيدين الفنيين - الخاص به وبالغناء العربي إجمالا ً- وبعد رحيل الفنانة أسمهان عن الوجود، إثر تلك الحادثة المشؤومة التي أودت بحياتها، وأثيرت حولها القصص ولـُفِقت عنها الأقاويل، التي ما أنزل الله بها من سلطان، لم يقف مكتوف اليدين، إذ ْ أنه موّسق بعض الألحان لثلةٍ من المغنين الكبار، كأغنية "ع الله تعود" للفنان وديع الصافي وأغنية "يا وحشني" للمطرب محرم فؤاد و"أحبابنا يا عين" للفنانة وردة الجزائرية. ومع أنّ رصيده اللحني للأصوات الأخرى، يُعدُ حقيقة ً ضئيلُ ُ، إذا ما قورن مع مجايليه، إلا أننا نلحظ أنَّ كُلَّ عملٍ قدَّمه لأيِّ صوت من الأصوات المُتحدَّث عنها بعاليه، يعتبرُ أجمل ما في الرصيد الغنائي للأخير، فالعبرة ليست في الكم، إنما في جودة الألحان.
لكن تلك الفرقة التي حدثتكم عنها قبلا ً، لا ترى في صوت الفنان فريد الأطرش ذلك الصوت المقنع في الأداء، مع أنه حظيَّ بثقة الجماهير المُحِبة لفنِّه إلى وقتنا الراهن، لأسلوبه البكائي ولأدائه المُـمطـَّط ربما، لكنها لا تنكرُ عليه أنه مُلحِن فذٌ، وبالعودة كما وعدتكم، إلى المقولة التي قالها الموسيقار محمد عبد الوهاب العارفُ بأصول الغناء، في حقِّ هذا الفنان، سنلفي أنَّ الأول، لم يعتبر الفنَّان فريد الأطرش مؤديا ً وكفى، بل إنه وصفه بالمغني الخطير، وهذا شيء عظيم؛ ولأنَّ الآراءَ، قد تختلف من شخص إلى آخر، وكما يُقال بما معناه: "الأذن الواحدة لا تسمع". فالرأيُ عندي، أنه قد حدث نوع من الاتزان، بين كفتي الميزان، اللتين إحداهما تحمل رأي النـقاد بشأن تجربة الفنان فريد الأطرش من جهة، والأخرى تحمل رأي جمهوره، وتعليق الفنان محمد عبد الوهاب معاً من جهةٍ مقابلةٍ، أي أنَّ الأولين يعترفون بكونه ملحنا ً بارعا، والأخيرين بالمثل، يعدونه مطربا ً كبيرا ً، من هنا وبحسب منظوري الخاص، نكون قد أجبنا عن ذلك السؤال الشائك، حيث نفضي إلى أنَّ الفنان الراحل فريد الأطرش قد جمع بين الغناء والتلحين في الآن نفسه، هكذا وببساطة شديدة.
ما أحبُّ أنْ أضيفه في عُجالة إلى ما سبق، هو رأيي بخصوص الأسلوب البكائي الخاص بغناء هذا الفنَّان، فالرأيُ لدي، أنه لا يعود إلى التجارب العاطفية الفاشلة التي مرَّ بها، كما قد يُخيَّل إلى الكثيرين، لكنْ إلى جانبٍ مهم، قد غاب على البعض من تلك الفرقة المعنية بالهم الفني، فهمُ هذا الفنان، يرجعُ إلى وأد تجربته اللحنية بعد ولادتها بقليل، كيف ذلك ؟ أقصد - بعد تحطم مشروعه الغنائي الذي كان يُخطط له، ويعتزم تقديمه رفقة الصوت الملائكي الذي عُرفت به الفنانة أسمهان فقد كان يراهن عليه في أداء ألحانه، التي يصعب على كبار المطربات والمطربين، الذين جاؤوا بعدها أنْ يؤدوها، كما ينبغي لها، وما يُدلـِّلُ على صحة رأيي هذا، أنَّ أعماله التي قدَّمها وهي على قيد الحياة، كانت مُفعَمة بالأمل وبحماس الشباب المقبل على الحياة، ومن ذلك ما أصدره من أغنيات في الفيلم الذي اشتركا في تمثيله، وكان بعنوان "انتصار الشباب" غير أنَّ رحيلها الباكر، ترك في نفسه هذه المسحة من الحزن القهري، الذي ما استطاع أنْ يخرج من قوقعته، حتى في أغانيه التي لا تحمل الطابع الحزين.. هكذا.
كأنني بقارئ ٍ، يتساءل في قرارة نفسه، بعد هذا التمهيد المستفيض: ما لنا وفريد الأطرش؟ ثم ما دخله بعنوان مقالك هذا؟ لذا سأوافيه بالتعليل الآتي:
الحديثُ عن الفنون حديث ذو شجون، وأنا أتبع أسلوبا ً خاصا ً بيّ في الكتابة، حيث إنني أعود دائماً إلى الاستشهاد بالفنانين الكبار في زمن الغناء الجميل، الذين ليس بمكانة أي فنان حلّ على الغناء بعدهم، أنْ يُزايد على أصالة وجودة ما أضافوه إلى الغناء العربي بعامة، لأنهم أسسوا مدارس للأغنية العربية، والأغنية الليبية ليست بمنأى عنها، بل هي وثيقة الصلة بها، فالخليقُ بنا أنْ نجعلهم دوماً مراجع لنا، كلما طاب لنا تناول هذا الشأن الفني، وذلك بالتمثل بتجاربهم والامتثال لآرائهم ؛ فإذا تعرَّض فنان كبير في حجم وقامة فريد الأطرش إلى مثل هذه المراجعات الفنية، من قـِبل النـُّقاد والمستمعين، فلا غضاضة في أنْ نُعيدَ نظرتنا فيما جاد به فنانو بلادنا، أ ليس كذلك؟ إذاً يا عزيزي لندخل تواً، إلى صلب الموضوع المُتعلِق بعنوانه، مع الوعد بالعودة إلى تجربة هذا الفنَّان، كلما لزم الأمرُ ودعت الحاجة إليها.
أطرح في البدء سؤالاً على نفسي، هذا سياقه: هل الفنان الليبي محمد حسن مطرب أم مُلحِن، أم أنه مثل الموسيقار فريد الأطرش في جمعه بين الغناء والتلحين، جنباً إلى جنب؟ وكل ما أرجوه ألّا يُفهم من ذلك، بأنني بصدد عقد جدول ٍ للمقارنة بين الاثنين، فحاشى وكلا إن كان هذا مبتغاي، فما سيلي في هذا المجال من هذا المقال، سوف لن يكون سوى اجتهاد مني للفت الانتباه إلى تجربة الفنان محمد حسن من دون أيِّ تأثير ٍ خارجي، وبحسب ذائقتي الخاصة، التي هي المهماز الذي جعلني أخطُّ لكم مقالي هذا ؛ فقد ودَّدت أنْ أخوضَ في غمار الإجابة عن هذا السؤال، الذي طالما أرّقني وعصف بتلافيف مخيلتي، بعدما وجدت أنَّ ثمة فوارق عميقة الشقة، بين أعماله القديمة والحديثة، لذلك سأمحور مقالي إلى محورين، كي أتناولَ تجربته في هاتين الفترتين الزمنيتين، جاعلاً الفيصل بينهما (كاركتر) الخيمة الغنائية الذي استحدثه لنفسه، في نهاية المنتصف الأول من عقد الثمانينيات من القرن المنصرم؛ فهذا الفنان بدأ في الوسط الفني كمغن ٍ من طراز رفيع، نظراً لأنه، يحتكمُ على خامةٍ صوتيةٍ، تجمع بين الجمال والقوة والرقة والمتانة والمقدرة العالية على التعبير المقنع وتقمص جميع ألوان الغناء العربي، فهذه الخصائص جعلت صوته ذي ملامح ٍ مميزةٍ، قلّ وعزّ نظيرها حتى في الأصوات العربية، آن ولوجه إلى عالم الغناء، ما جعل نجمه يبزغ ويلمع سريعاً، وجعل ثلة من أهم ملحني ليبيا، الذين شهد القاصي قبل الداني بجدارتهم اللحنية، يلتفون من حوله ويزودونه بكم ٍ هائل ٍ من الألحان، التي كشفت مكامن جمال هذا الصوت، ووظفوه في أداء أعمال متنوعة المقامات، فلو شاءت الصدف واستمعت إلى بعض ٍ منها سيتراءى لك، كيف أنه كان يتماشى مع طبيعة صوته، ويبدو هذا جلياً في هذه الأغنيات التي أدّاها صاحب هذا الصوت: "بلادنا زين على زين" للملحن عطية محمد و"يا ريح هدّي" لملحنها يوسف العالم وأية أغنية أخرى غناها، من ألحان إبراهيم أشرف.
ما نزال دائماً في الفترة التي سبقت ظهور الخيمة الغنائية، حيث إنَّ هذا الفنان المولع بالغناء، أخذ لنفسه منحى آخراً، يختلف عن مسار البداية الذي عرفه به الجمهور، إذ ْ أنه، انتقل إلى مجال التلحين في وقت سريع، وقام بالتلحين لنفسه، فأصدر مجموعة رائعة من الأغاني التي من ألحانه مثل "خلك رفيقاً زين" و"لا تجرحيني" و"جيتك" وملحمة "يا ليبيا الشجعان" غير أنَّ ما يُلاحظُ فيما بعد، أنَّ أعماله اللحنية والغنائية بطبيعة الحال كذلك، أضحت تتسم بميسم واحد وغير مختلفة عن بعضها البعض، الأمرُ الذي من شأنه، أنْ جعله يدخل في حلقة التكرار والنسخ تقريباً، فأنا لست أعيبُ أو أستكثر عليه أنْ يكون ملحناً، لكن إذا رغب في ذلك، فله في الراحل " فريد الأطرش " أسوة، لأنَّ الأخيرَ، لم يكرَّر نفسه البتّة، فعلى الرغم من أنه قد أُشتهـِر بالموسيقى الشرقية، إلا أنه قد أثبت في أكثر من مناسبة فنية، بأنه دارسُ ُ وعارفُ ُ حتى بالموسيقى العالمية، وآية ذلك الأوبريت الذي استعرض فيه عضلاته اللحنية، محاولاً به أنْ يدفع عن فنه، تلك التهمة الباطلة، التي ابتغى البعض من النـُّقاد إلصاقها به عنوة، فأدهشه بمقدرته الكبيرة في أداء الألوان الغنائية جميعها، بما فيها الشرقية والغربية، ولعلّ عنوان هذا العمل الكبير، يوضح مراده من تقديمه إياه في حينه ؛ فقد أسماه "شرق وغرب".
ولست أرمي من هذا، إلى أن أدفعَ بالفنان محمد حسن إلى أنْ ينزلقَ بفنِّه في منحدر التهريج، فقد أصبح هذا الأمر "همروجة وفزّاعة" يخشاهما أغلب الجيل القديم من المطربين - أي - التحديث الموسيقي، ولكنْ أنْ ينوعَ في الألحان التي يقدِّمها للجمهور، الذي لم يسأله بعد سؤالي المنصرم، فإذا كان السبب في التكرار الذي وقع فيه ناجماً عن محبته للغناء في الخيمة الغنائية، فإنني أريد أنْ أخبره في هذه الفرصة السانحة، بأنَّ الصدف، هي من تجعلني دائماً وقت سماعي لأعماله، أؤخذ إعجاباً ببعض منها طوراً، وآخذ ُ عن بعضها الآخر، عدة مآخذ في طور آخر، وحينما أتساءل عن سرِّ هاتين الحالتين، اللتين أمرُّ بهما، كلما استمعت إلى أعماله، أجدُ أنَّ أغنياته التي تعجبني، هي التي ليست من ألحانه، فليس أقلُ إذن، من أنْ يُرينا مقدرته اللحنية، ويُثرينا بين الفينة والأخرى، بعمل غنائي من ألحانه التي يكون لها طعم مشتجر عن أعماله الأخيرة، وله الحق كل الحق، فيما اختاره لنفسه من حيث شكل الغناء، حتى أستطيعُ بعد ذلك، أنْ أصفه بالملحن، بعد أنْ وجدت فيه، مُطرِّباً من عيار ثقيل.